
فرح الصيفي
صرّح الأستاذ محمد سعيد، خبير الاقتصاد والمال، أن النزاعات الإقليمية خلقت بيئة أمنية هشة أسهمت في تآكل مؤسسات بعض الدول، وتمدد الجماعات المسلحة، وزيادة موجات النزوح التي ترهق اقتصاديات دول الجوار. وأكد أن التوترات لم تتوقف عند الحدود، بل امتدت لتعطيل طرق التجارة والملاحة الدولية، خاصة مع الهجمات في البحر الأحمر، ما أجبر السفن على تغيير مساراتها ورفع تكاليف التأمين والشحن بشكل ملحوظ.
موقع مصر الجغرافي.. ميزة استراتيجية وسلاح ذو حدين
وأوضح أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي المحوري، تجد نفسها في قلب هذه العواصف المتقاطعة. فهذا الموقع يمنحها ثقلاً استراتيجياً كبيراً، لكنه في الوقت ذاته يجعل اقتصادها شديد الحساسية لأي صدمة إقليمية. فمصر ليست مجرد مراقب لما يحدث، بل من أبرز المتضررين اقتصادياً، لأن مؤشرات اقتصادها ترتبط مباشرة باستقرار المنطقة.
السياحة أول المتأثرين بالتصعيد العسكري
وأشار إلى أن قطاع السياحة يمثل نبضاً حيوياً للاقتصاد المصري، ويتلقى الضربة الأولى مع كل تصعيد عسكري. فالصورة الذهنية للمنطقة كبؤرة صراع تدفع السياح إلى إلغاء حجوزاتهم، كما تدفع بعض الدول الغربية إلى إصدار تحذيرات سفر، حتى وإن كانت المدن المصرية بعيدة تماماً عن بؤر التوتر.
الاستثمار الأجنبي وسرعة هروب رأس المال
وأضاف أن الاستثمار الأجنبي المباشر يتأثر سريعاً بالحروب وتوترات الحدود، موضحاً أن القاعدة الاقتصادية تقول إن “رأس المال جبان”، إذ تهرب الأموال الساخنة مع أول إشارة تصعيد، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض وتباطؤ تنفيذ المشروعات الكبرى.
سوق الصرف وأزمة البحر الأحمر
وأكد أن سوق الصرف يُعد المرآة اللحظية للتوترات الجيوسياسية، لافتاً إلى أن تراجع إيرادات قناة السويس بسبب أزمة البحر الأحمر، بالتزامن مع خروج تدفقات مالية في فترات سابقة، خلق شحاً في العملة الصعبة، ما أدى إلى ضغوط قوية على الجنيه المصري. وأشار إلى أن تبني نظام سعر صرف مرن جاء كخطوة للقضاء على السوق الموازية وتحقيق توازن مستدام.
التضخم وارتفاع الأسعار.. التأثير المباشر على المواطن
ولفت إلى أن التضخم يمثل الكابوس الأكبر الذي يرهق المواطن، حيث تؤدي الحروب الإقليمية إلى رفع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتعطيل سلاسل إمداد الغذاء. وبما أن مصر تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها الأساسية، فإن أي زيادة في تكاليف الشحن والطاقة تنعكس فوراً على الأسعار المحلية.
الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز أدوات الصمود
واختتم محمد سعيد تصريحاته بالتأكيد على أن طول أمد الصراعات يحدد حجم الفاتورة الاقتصادية التي تتحملها دول المنطقة، مشيراً إلى أن الاقتصاد المصري أصبح يمتلك أدوات أكثر تنوعاً ومرونة بفضل الإصلاحات الهيكلية، والشراكات الإقليمية، وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية. وأكد أن استقرار الشرق الأوسط لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة ملحة لضمان تدفق الاستثمارات وحماية لقمة العيش وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.



