تصعيد واشنطن وطهران.. قراءتان لتحركات ترامب والاحتجاجات الداخلية ودور الحرس الثوري في مستقبل النظام الإيراني

كتبت/ فاطمة محمد
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع التطورات العسكرية لتعيد رسم مشهد التوتر بين واشنطن وطهران
فبين خطاب أميركي يلمّح إلى إمكانية التفاوض، وتحركات عسكرية تستهدف مراكز القرار والأمن داخل إيران، تتباين التحليلات بشأن شكل المرحلة المقبلة وحدود التصعيد.
وفي هذا السياق، قدّمت الباحثة في الشؤون الإيرانية منى السيلاوي، والباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني، رؤيتين تحليليتين خلال مقابلة صحفية، استندتا إلى قراءة بنيوية لتعقيدات الداخل الإيراني وحدود الرهان الأميركي على إضعاف النظام أو إعادة تشكيله.
مفاوضات محتملة ووجوه جديدة في طهران
قالت منى السيلاوي إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح إلى استعداد بعض القيادات الإيرانية الجديدة للدخول في مفاوضات مع واشنطن، مشيرة إلى أن شخصيات مثل علي لاريجاني تُعد من الأسماء القادرة على إدارة الملف المدني داخل النظام بعقلية براغماتية قد تقبل بالحوار.
وأضافت أن بعض الشخصيات الأكثر تشددًا خرجت من المشهد، بينما لا تزال أسماء محسوبة على تيار الانفتاح تجاه الغرب، مثل جواد ظريف وحسن روحاني، حاضرة سياسيًا، وقد تمثل واجهة لإعادة ترتيب العلاقة الاقتصادية والسياسية مع الغرب، وفق تصورات الإدارة الأميركية.
احتجاجات داخلية وأرقام صادمة
وأوضحت السيلاوي أن الشارع الإيراني يعيش حالة احتقان متصاعدة، خاصة في المناطق الكردية، حيث شهدت بعض المقار الأمنية هجمات نفذتها مجموعات شبابية.
وأشارت إلى أن تقديرات مؤسسات حقوقية تتحدث عن سقوط نحو 20 ألف قتيل خلال الأربعين يومًا الماضية، فيما ترفع مصادر أخرى العدد إلى ما بين 30 و60 ألفًا، ما يعكس حجم العنف وتأثيره العميق على المجتمع الإيراني.
ورأت أن هذه التطورات أضعفت قدرة الشارع على تنظيم احتجاجات واسعة في ظل أجواء الحرب، فضلًا عن صعوبة التوافق على قيادة موحدة تقود أي تغيير محتمل.
الحرس الثوري.. القوة الأصعب في المعادلة
وتناولت السيلاوي الدور المحوري لـالحرس الثوري الإيراني، معتبرة أنه المؤسسة العسكرية والاقتصادية الأكثر نفوذًا في البلاد، حيث يسيطر على أكثر من 60% من مفاصل الاقتصاد الإيراني، ما يجعل إضعافه أو تحديه مسألة شديدة التعقيد.
وأكدت أن الطابع الأيديولوجي للحرس الثوري يعزز تمسكه بالسلطة والسلاح، بخلاف ما جرى مع جيش الشاه قبل الثورة الإيرانية
كما لم تستبعد لجوءه إلى سيناريوهات انقلابية للحفاظ على تماسك النظام في حال تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية.
معارضة مشتتة وتحديات الوحدة
وفي ما يتعلق بالمعارضة، أشارت السيلاوي إلى أن التيارات المرتبطة بأنصار الشاه تفتقر إلى قاعدة شعبية موحدة على امتداد الجغرافيا الإيرانية، في ظل تباين مصالح المكونات العرقية مثل الفرس والأتراك والبلوش والعرب.
وأضافت أن أي بديل سياسي للنظام الحالي سيحتاج إلى دعم خارجي منظم، معتبرة أن أحد أسباب هشاشة النظام يكمن في غياب التمثيل المتوازن لمكونات المجتمع الإيراني.
واشنطن بين الضغط والتفاوض
من جهته، رأى فادي حيلاني أن ما يبدو تناقضًا في مواقف الإدارة الأميركية ليس ازدواجية بقدر ما هو تبنٍ لمسارين متوازيين: الأول دبلوماسي يسعى إلى اتفاق محتمل، والثاني عسكري يهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط.
وأوضح أن التحشيدات العسكرية التي تطال أهدافًا استراتيجية مرتبطة بالمرشد الإيراني وقيادات الحرس الثوري تعكس تنسيقًا واضحًا مع إسرائيل، وتهدف إلى إضعاف بنية النظام من الداخل وإحداث شرخ في مراكز القوة.
هل تكفي الضربات لإسقاط النظام الإيراني؟
وأكد حيلاني أن الضربات الجوية، مهما بلغت كثافتها، لا تكفي وحدها لإسقاط النظام الإيراني، مشيرًا إلى أن ذلك يتطلب إما تدخلًا بريًا مباشرًا أو تفككًا داخليًا يقود إلى انهيار السلطة من الداخل.
ولفت إلى أن الإدارة الأميركية تراهن على الانقسامات داخل مؤسسات الحكم، إضافة إلى معلومات استخباراتية قد توفرها شخصيات من داخل النظام تعارض السياسات الحالية.
كما استبعد أن يتمكن الشارع الإيراني، في ظل الظروف الراهنة، من إنتاج قيادة بديلة قادرة على إدارة مرحلة انتقالية، مشيرًا إلى أن الرهان الأميركي يتركز أكثر على تحولات داخل أجهزة السلطة نفسها.
حسابات الحرب الطويلة
واختتم حيلاني بالإشارة إلى أن أي مواجهة واسعة قد تمتد لأسابيع، بخلاف عمليات عسكرية محدودة سابقة، وهو ما قد يحقق أهدافًا استراتيجية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومنصات الصواريخ الباليستية.
غير أن استمرار الحرب لفترة طويلة يحمل، بحسب تقديره، مخاطر سياسية على الإدارة الأميركية، من بينها الحاجة إلى موافقة الكونغرس في حال توسعت العمليات، إضافة إلى تداعيات ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على الانتخابات النصفية، ما يجعل خيار الحرب المفتوحة محفوفًا بحسابات داخلية دقيقة بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.




