بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تتجرد النفوس من الإنسانية وتعميها البلطجة، لا يصبح القانون مجرد نصوص تُخترق، بل يتحول ممثلوه إلى ضحايا يدفعون دمائهم وأجسادهم ثمناً لأداء واجبهم المهني. إن الجريمة حينما تتجاوز حدود التعدي العادي لتصل إلى حد “الحرق العمد” والتمثيل بأجساد الموظفين العموميين في وضح النهار، تكشف عن وجه مرعب لغابة يسعى البعض لفرضها؛ حيث يصبح السلاح والنار هما البديل الصادم لمنطق الدولة والقانون.
هذا المشهد الجحيمي المروع استيقظت عليه قرية الحامول، لينتفض معها الشارع المصري صدمةً وغضباً؛ إثر إقدام شاب على ارتكاب جريمة بشعة ضد رئيسة التفتيش بالقرية. الواقعة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء بدأت أثناء خروج حملة رسمية لإزالة التعديات ومخالفات البناء بالقرية، لتطبيق القانون وإعادة هيبة الدولة، وهو الأمر الذي لم يرتضه الجاني وقرر مواجهته بأقصى درجات العنف والوحشية.
وبحسب ما تم تداوله من تفاصيل تدمي القلوب، فإنه وبدافع السعي الإجرامي لمنع تنفيذ قرار الإزالة بأي ثمن، قام الشاب بالهجوم على رئيسة التفتيش ممسكاً بمادة قابلة للاشتعال (بنزين)، ومستغلاً مباغتتها ليسكب المواد الحارقة على جسدها بدم بارد، قبل أن يشعل النيران فيها أمام ذهول ورعب الحاضرين؛ لتتحول المسؤولة الحكومية في لحظة خاطفة إلى كتلة من اللهب يلتهمها الحقد والبلطجة لمجرد أنها تؤدي عملها الذي أقسمت عليه.
الأكثر إيلاماً في هذه الفاجعة، هو مشهد النيران التي لم تحرق جسد الموظفة فقط، بل أحرقت معها قلوب أهالي القرية وكل من شاهد أو سمع بالواقعة، وسط تساؤلات مذهولة عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه شريعة الغاب عند بعض الخوارج عن القانون، الذين يظنون أن حرق أجساد البشر كفيل بحماية تعدياتهم ومخالفاتهم من الإزالة والمساءلة.
لقد جرى نقل الضحية إلى المستشفى في حالة حرجة تصارع الموت بين حروق جسيمة وآلام لا تطاق، بينما تحركت الأجهزة الأمنية على الفور لفرض السيطرة وضبط الجاني لينال القصاص العادل والردع الفوري الذي يوافق بشاعة جرمه.
ومع بقاء رئيسة التفتيش في غرفة الرعاية المركزة تحت رحمة الدعوات، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن:
إلى أي منحدر مرعب يتدحرج بنا العنف والجرأة على الدولة حينما يصبح سكب البنزين وإشعال النار هو الوسيلة لمنع تنفيذ القانون، وهل سيكون القصاص القادم من جحيم البلطجة حاسماً ومزلزلاً ليعلم كل خارج عن القانون أن أجساد الشرفاء ليست رخيصة إلى هذا الحد؟
