بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تصبح قاعات العلم مسرحاً لرحيل مبكر، وتتحول أحلام المستقبل في لحظة خاطفة إلى كفن أبيض، تعجز الكلمات عن وصف حجم الفاجعة والوجع. في أجواء مشحونة بالقلق والترقب مع انطلاق ماراثون امتحانات الثانوية العامة، خيّم حزن أسود على محافظة الشرقية بأكملها، إثر وفاة الطالبة “جنى هاني” بعد تعرضها لهبوط حاد وتوقف مفاجئ في عضلة القلب أثناء أداء امتحان اللغة العربية، لترحل تاركة وراءها صدمة مروعة حطمت قلوب أسرتها وزملائها.
بدأت الفصول الحزينة والموجعة داخل جدران لجنة مدرسة “الشهيد إبراهيم صفا” بمدينة فاقوس؛ فبينما كان الطلاب يغوصون في أوراق الإجابة، انشق صمت المكان عن صرخة انفعالية أطلقتها إحدى الطالبات ينبض قلبها بالرعب: “يا مستر.. جنى أغمى عليها!”. في ثوانٍ معدودة، تحولت اللجنة من الهدوء والانضباط إلى حالة عارمة من الارتباك والخوف، وتوقفت الأقلام وسط ذهول المراقبين ومحاولات مستميتة لإنقاذ الفتاة التي سقطت فاقدة للوعي تماماً.
هرعت سيارات الإسعاف إلى المدرسة في سباق مع الزمن، وحاول المسعفون إجراء إنعاش قلبي رئوي عاجل لـ “جنى” بعدما تبين تعرضها لتوقف كامل في القلب والتنفس. نُقلت الطالبة على وجه السرعة إلى مستشفى فاقوس المركزي، ورغم جهود الأطباء في غرفة الطوارئ، إلا أن إرادة الله كانت أسرع، لتفيض روحها الطاهرة إلى بارئها، وتتحول اللجان إلى سرادق عزاء مفتوح.
وما يزيد المشهد إيلاماً ووجعاً، ما كشفه والد “جنى” المكلوم عقب الحادث؛ حيث أوضح أن نجلته الراحلة كانت تتعرض لحالات إغماء وفقدان للوعي متكررة منذ أول أيام الامتحانات بسبب الضغط العصبي الشديد. ورغم أن الأسرة عرضتها على أكثر من طبيب لم يتمكنوا من تحديد السبب الدقيق وراء حالتها، إلا أن “جنى” كانت متمسكة بحلمها ومصممة على دخول اللجان واستكمال امتحاناتها، دون أن تدري أن هذا الحلم سيكلفها حياتها.
أما الصدمة التي كسرت قلوب أهالي فاقوس وجعلت الدموع لا تجف، فهي المفاجأة القاسية التي روتها الأسرة؛ إذ أعلنوا أن هذه الفاجعة هي تكرار لكابوس مرعب عاشوه قبل نحو 4 سنوات، حينما فقدوا ابنتهم الأخرى (شقيقة جنى) في ظروف صحية مشابهة تماماً، لترحل “جنى” اليوم بنفس الطريقة، وتنطبق عليها عبارة أهلها المفجوعين: “رحلت كما رحلت شقيقتها”.
تحول منزل الأسرة بمدينة فاقوس إلى مأتم يمزق النفوس، وشيّع المئات من أهالي القرية والمدينة جثمان “شهيدة العلم” في جنازة مهيبة بكى فيها الجميع صغاراً وكباراً، بينما باشرت الجهات المختصة إجراءاتها الرسمية والطبية للوقوف على الأسباب الدقيقة للوفاة واستكمال التحقيقات.
ندعو الله العلي القدير أن يتغمد الطالبة جنى هاني بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنها فسيح جناته، وأن يربط على قلب والديها ويمنحهما الصبر والثبات على هذا المصاب الأليم المزدوج.
أمام هذه الفاجعة المريرة التي تتكرر مع ضغوط الثانوية العامة، كيف ترون خطورة الشحن النفسي الزائد والخوف من الامتحانات على سلامة وصحة الطلاب، وإزاي نقدر نوجه رسالة للأسر بضرورة تقديم صحة وحياة أولادهم على أي مجموع أو كليات قمة؟
