لم يعد الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين يقتصر على إنتاج السلع والخدمات أو إدارة رؤوس الأموال والأسواق. فالعالم الذي نجح في تحويل البيانات إلى ثروة، والانتباه إلى صناعة،
بدأ يعيد اكتشاف مورد أكثر قيمة وتأثيرًا: المشاعر الإنسانية.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أقرب إلى المبالغة، لكن قراءة متأنية لما يحدث في الإعلام، والمنصات الرقمية، والأسواق، وحتى في المجال السياسي، تكشف أن الغضب لم يعد مجرد رد فعل نفسي، بل أصبح أحد أكثر الموارد قدرة على جذب الانتباه، وتحريك الجماهير، وصناعة الأرباح، وإعادة تشكيل الرأي العام.
إننا نعيش مرحلة لم تعد المنافسة فيها تقتصر على كسب ثقة الإنسان، بل على كسب انفعاله. ولم تعد القيمة الاقتصادية تُقاس فقط بما يشتريه الفرد، وإنما أيضًا بما يشعر به، وبالمدة التي يقضيها منخرطًا في حالة من الغضب أو الخوف أو القلق أو الاستقطاب. فكل دقيقة يقضيها الإنسان في التفاعل مع محتوى مثير للانفعال تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى قيمة اقتصادية أو سياسية أو إعلامية.
لهذا، لم يعد من المبالغة الحديث عن “اقتصاد الغضب” بوصفه أحد الظواهر الصاعدة في العالم الرقمي؛ اقتصاد لا يقوم على إنتاج المشاعر من العدم، بل على اكتشافها، وتوجيهها، وإعادة تدويرها، وتحويلها إلى سوق عالمية تتقاطع فيها مصالح شركات التكنولوجيا، والمؤسسات الإعلامية، والحملات السياسية، وصناع المحتوى، وحتى الأسواق المالية.
ولعل المفارقة أن الإنسان لم يعد فقط مستهلكًا للمحتوى، بل أصبح منتجًا مجانيًا للمادة الخام التي يقوم عليها هذا الاقتصاد. فكل تعليق غاضب، وكل مشاركة انفعالية، وكل جدل محتدم، لا يمثل مجرد رأي، بل يضيف قيمة إلى منظومة اقتصادية كاملة تقوم على جذب الانتباه وإبقائه لأطول فترة ممكنة.
لقد اعتادت النظريات الاقتصادية أن تتحدث عن النفط، والمعادن، والطاقة، ورأس المال، بوصفها الموارد الاستراتيجية التي تحدد موازين القوة. ثم جاءت الثورة الرقمية لتضيف البيانات باعتبارها المورد الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين. أما اليوم، فيبدو أن البيانات وحدها لم تعد كافية، لأن البيانات تحتاج إلى شيء أكثر أهمية: انفعال الإنسان.
فالبيانات تخبر المنصات بما يهتم به المستخدم، لكن المشاعر تحدد كيف سيتصرف، وما الذي سيشاركه، وما الذي سيدافع عنه، وما الذي سيهاجمه. ومن هنا أصبحت المشاعر، وفي مقدمتها الغضب، أحد أهم محركات الاقتصاد الرقمي.
ولا يعود ذلك إلى أن الغضب أكثر أهمية من الفرح أو الهدوء، بل لأنه أكثر قدرة على الانتشار. فالإنسان، بطبيعته النفسية، يميل إلى التفاعل مع ما يهدده أو يستفزه أكثر من تفاعله مع ما يطمئنه. وقد أثبتت دراسات عديدة في علم النفس السلوكي أن المشاعر السلبية غالبًا ما تحظى بأولوية في الانتباه، لأنها ارتبطت تاريخيًا بآليات البقاء.
لكن ما كان في الماضي آليةً طبيعية لحماية الإنسان، أصبح اليوم عنصرًا يمكن استثماره اقتصاديًا. فالخوارزميات لا تملك مشاعر، لكنها تتعلم بسرعة أي نوع من المحتوى يبقي المستخدم متصلًا لفترة أطول. وإذا أثبت الغضب أنه يحقق معدلات تفاعل أعلى، فإن المنظومة الرقمية تميل، بصورة تلقائية، إلى منحه مساحة أكبر، ليس لأنها تتبنى مضمونه، وإنما لأنه يحقق هدفها الأساسي: الاحتفاظ بالانتباه.
وهنا تبدأ معادلة جديدة لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة. فبدلًا من أن تتنافس المؤسسات على تقديم أفضل المعلومات، أصبح بعضها يتنافس على إنتاج أكثرها قدرة على إثارة الانفعال. وبدلًا من أن يصبح الهدوء قيمة، تحول في كثير من الأحيان إلى خسارة في اقتصاد يقوم على عدد النقرات، وسرعة الانتشار، وحجم التفاعل.
ومن هنا، لم يعد السؤال: هل المحتوى صحيح أم خاطئ؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: هل هو قادر على إشعال النقاش؟
هذه النقلة ليست إعلامية فقط، بل اقتصادية أيضًا. فكلما زاد التفاعل، ارتفعت عائدات الإعلانات، وازدادت قيمة المنصة، وتحسنت قدرتها على جذب المستثمرين. وهكذا، يدخل الغضب في دورة اقتصادية لا يكون فيها هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق قيمة سوقية أعلى.
ولا يقتصر الأمر على المنصات الرقمية. ففي عالم السياسة، أصبحت الحملات الانتخابية في كثير من الدول تعتمد بصورة متزايدة على تعبئة المشاعر أكثر من عرض البرامج. وفي الاقتصاد، أصبحت الأخبار المثيرة قادرة على تحريك الأسواق خلال ساعات. وفي الإعلام، أصبح الخبر الذي يثير الانفعال أكثر قدرة على الانتشار من الخبر الذي يقدم تفسيرًا هادئًا ومتوازنًا.
إننا أمام تحول يتجاوز الإعلام والتكنولوجيا، ليمس بنية العلاقات داخل المجتمعات نفسها. فعندما يصبح الانفعال هو اللغة الأكثر ربحًا، تتراجع تدريجيًا مساحة الحوار العقلاني، ويصبح الاستقطاب نموذجًا مربحًا، لا مجرد ظاهرة اجتماعية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالمجتمعات لا تتضرر فقط من انتشار الغضب، وإنما من تحوله إلى بيئة دائمة يعيش فيها الأفراد، ويتخذون داخلها قراراتهم، ويقيّمون الآخرين، ويعيدون تشكيل أولوياتهم. وعندما تصبح المشاعر الحادة هي الحالة الطبيعية، يفقد المجتمع تدريجيًا قدرته على التمييز بين ما يستحق الغضب فعلًا، وما صُنِع خصيصًا لإثارته.
ولذلك، فإن أخطر ما أنتجه الاقتصاد الرقمي ليس فقط ثروات جديدة، بل أيضًا أسواقًا جديدة تتاجر بما لم يكن يُعد يومًا سلعة: مشاعر الإنسان.
لكن الخطأ الأكبر سيكون في اختزال هذه الظاهرة في إطار المنصات الرقمية وحدها. فما يحدث اليوم أعمق بكثير من مجرد خوارزميات تبحث عن زيادة التفاعل، أو شركات تسعى إلى تحقيق أرباح أعلى. نحن أمام تغير في طبيعة البيئة التي تُصنع داخلها القرارات، وتُبنى فيها القناعات، وتتشكل من خلالها العلاقات بين الأفراد والدول.
ففي الماضي، كانت القوة الاقتصادية ترتبط بمن يمتلك المواد الخام، ثم بمن يمتلك المعرفة، ثم بمن يمتلك البيانات. أما اليوم، فإن المنافسة تتجه تدريجيًا نحو امتلاك القدرة على توجيه السلوك الجماعي. فالمعلومات وحدها لا تغير المجتمعات، لكن الطريقة التي يتفاعل بها الناس مع هذه المعلومات هي التي تصنع الفارق.
ومن هنا، يظهر ما يمكن تسميته “رأس المال العاطفي”؛ وهو الرصيد الذي تبنيه المؤسسات أو المنصات أو حتى الشخصيات العامة من خلال قدرتها على تحريك مشاعر الجمهور. ولم تعد القيمة تقاس بعدد المتابعين فقط، بل بقدرتهم على التفاعل، والدفاع، والهجوم، والمشاركة، وتحويل المشاعر إلى حركة جماعية.
هذه الظاهرة لا تقتصر على المجال الإعلامي. فالأسواق المالية نفسها أصبحت أكثر حساسية للمشاعر العامة. وقد أثبتت الأزمات الاقتصادية المتعاقبة أن حالة الذعر قد تخفض قيمة أسواق كاملة خلال ساعات، كما أن موجات التفاؤل المفرط قد ترفع أسعار أصول لا تعكس قيمتها الحقيقية. لذلك، لم تعد المؤشرات الاقتصادية وحدها هي التي تحرك الأسواق، بل أصبح المزاج العام أحد المتغيرات المؤثرة في القرارات الاقتصادية والاستثمارية.
والأمر نفسه ينسحب على المجال السياسي. فالمجتمعات التي تعيش في حالة انفعال دائم تصبح أكثر قابلية للاستقطاب، وأقل قدرة على الوصول إلى حلول وسط، وأكثر ميلًا إلى اتخاذ مواقف حادة. ومع مرور الوقت، يتحول الاختلاف الطبيعي إلى انقسام، والانقسام إلى فقدان للثقة، وهو ما ينعكس في النهاية على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وهنا، لا يكون التحدي في وجود الغضب ذاته، فالغضب شعور إنساني طبيعي، وقد يكون في كثير من الأحيان دافعًا للإصلاح والتغيير. إنما التحدي الحقيقي يكمن في إدامة الغضب وتحويله إلى حالة دائمة، لأن المجتمعات التي تعيش باستمرار في حالة استنفار عاطفي تصبح أقل قدرة على التفكير الهادئ، وأكثر عرضة لاتخاذ قرارات متسرعة.
ومن منظور استراتيجي، فإن الدول التي تنجح في بناء بيئة معلوماتية متوازنة، وتشجع التفكير النقدي، وتحافظ على جودة الخطاب العام، ستكون أكثر قدرة على حماية استقرارها الداخلي من تلك التي تترك المجال العام أسيرًا للانفعال الدائم.
ولذلك، فإن مفهوم الأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو البنية التحتية أو الفضاء الإلكتروني، بل امتد ليشمل حماية التوازن النفسي والمعرفي للمجتمع. فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والإثارة، وبين النقاش والتحريض، يصبح أكثر هشاشة، حتى وإن امتلك اقتصادًا قويًا أو مؤسسات متقدمة.
ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد أن هذا الاقتصاد لا يحتاج إلى مصانع، ولا إلى موارد طبيعية، ولا إلى استثمارات ضخمة. إنه يعتمد على مورد متجدد لا ينضب بسهولة: الانفعال الإنساني. فكل حدث، وكل أزمة، وكل خلاف، يمكن أن يتحول إلى مادة اقتصادية تحقق عوائد مختلفة لمن يجيد إدارتها.
وإذا كانت الثورة الصناعية قد أعادت توزيع الثروة بين الدول، والثورة الرقمية قد أعادت توزيع النفوذ بين الشركات، فإن اقتصاد المشاعر قد يعيد توزيع القوة داخل المجتمعات نفسها. فالدول التي تنجح في بناء مواطن قادر على إدارة انفعالاته، والتحقق من المعلومات، ومقاومة الاستثارة المستمرة، ستكون أكثر قدرة على حماية تماسكها الاجتماعي واستقرارها الاقتصادي. أما المجتمعات التي تترك المجال العام رهينة للانفعال الدائم، فقد تجد نفسها تدفع ثمنًا يتجاوز الخسائر الاقتصادية إلى تآكل الثقة، وتراجع الإنتاجية، وصعوبة بناء التوافقات الوطنية.
لكن هذه الحقيقة لا تعني أن المستقبل محكوم بهذا المسار. فكما نجحت المجتمعات في وضع قواعد لتنظيم الأسواق المالية، وحماية المنافسة، وحفظ حقوق المستهلك، فإنها قادرة أيضًا على تطوير سياسات تحد من استغلال المشاعر الإنسانية بوصفها سلعة.
ويبدأ ذلك من التعليم، الذي لم يعد دوره نقل المعرفة فقط، بل تنمية القدرة على التفكير والتحليل، والتمييز بين المعلومة والانفعال. ويمتد إلى الإعلام، الذي تزداد مسؤوليته في تقديم سياقات تفسر الأحداث بدلًا من الاكتفاء بإثارة الجدل حولها. كما يشمل المنصات الرقمية، التي أصبحت مطالبة بتحقيق توازن بين حرية التعبير ومسؤولية الحد من الآليات التي تكافئ المحتوى الأكثر إثارة على حساب المحتوى الأكثر قيمة.
كما أن المؤسسات البحثية ومراكز الدراسات مطالبة بإدراج هذا الملف ضمن قضايا الأمن المجتمعي، لأن إدارة المشاعر العامة لم تعد قضية نفسية أو إعلامية فقط، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وفي قدرة الدول على مواجهة الأزمات.
لقد اعتاد العالم أن يتحدث عن أسواق الطاقة، وأسواق المال، وأسواق التكنولوجيا. وربما حان الوقت للاعتراف بوجود سوق أخرى، أقل وضوحًا لكنها أشد تأثيرًا، وهي سوق المشاعر.
فحين تتحول الانفعالات إلى مورد اقتصادي، يصبح الوعي بكيفية إدارتها جزءًا من حماية المجتمعات، لا من ترفها الثقافي.
لقد أصبح الاقتصاد العالمي أكثر قدرة من أي وقت مضى على قياس كل شيء تقريبًا؛ الإنتاج، والاستهلاك، ورأس المال، وحتى البيانات. لكن التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون في إدارة هذه الموارد وحدها، بل في إدارة الإنسان نفسه، بوصفه المصدر الأخير لكل قيمة اقتصادية وحضارية.
وإذا كان القرن العشرون قد شهد سباقًا على امتلاك النفط، وبداية القرن الحادي والعشرين شهد سباقًا على البيانات، فإن العقود المقبلة قد تشهد سباقًا من نوع مختلف: سباقًا على حماية الإنسان من أن تتحول مشاعره إلى سلعة، وعقله إلى ساحة استثمار، وانفعالاته إلى وقود لاقتصاد لا يتوقف عن البحث عن المزيد من التفاعل.
فالقوة الحقيقية لن تكون لمن يملك المنصة الأكبر، ولا الخوارزمية الأسرع، بل لمن ينجح في بناء مجتمع يحتفظ بعقله هادئًا وسط الضجيج، وبقدرته على التفكير وسط سيل الانفعالات، لأن المجتمعات التي تستطيع إدارة مشاعرها، ستكون هي الأكثر قدرة على إدارة مستقبلها.
ففي عصر اقتصاد الغضب، قد يصبح الوعي هو الاستثمار الأكثر ربحًا، والاتزان هو رأس المال الذي لا يفقد قيمته.
