حوار أحمد سالم
حين تدرك أن كرة القدم في نصفها الأول “هندسة” وفي نصفها الثاني “فن”، فأنت لا تتحدث مع مجرد مدرب، بل مع مهندس كروي يعيد صياغة الهوية المصرية بأدوات أوروبية حديثة.
ضيفنا في “المصور” هو الكابتن أحمد أبو حسين (39 عاماً)، المدير الفني لفريق UCD AFC تحت 14 سنة بدوري جمهورية أيرلندا، ومساعد مدرب فريق “بيشوود” بدوري مقاطعة لينيستر الممتاز بأيرلندا سابقاً، والمدير الفني السابق لفريق تحت 17 سنة بنادي “هانويل تاون” في لندن، متسلحاً بأعلى الشهادات؛ من رخصة UEFA B من الاتحاد الألماني الصارم، ورخصة UEFA C من الاتحاد الأيرلندي، بجانب شهادتي التدريب وإدارة كرة القدم من الاتحاد الإنجليزي العريق، بالإضافة إلى تخصصات دقيقة في تحليل البيانات والإدراك الكروي من ألمانيا وأيرلندا.

في هذا الحوار الشيق، نتحدث عن رحلته من المعاناة في لندن إلى قمة التحدي الكروي، ونسأله عن فلسفته التكتيكية، وعن رأيه الصريح في منظومة التدريب المصرية، والسؤال الأهم: هل نراه قريباً يقود قاطرة التطوير في منتخبات الشباب بمصر؟
من مصر إلى ملاعب بريطانيا وأيرلندا.. كيف بدأت هذه الرحلة الصعبة؟ وما هي أكبر التحديات التي واجهتك كمدرب مصري يسعى لإثبات نفسه في بيئة كروية أوروبية مغلقة؟
وُلد هذا الحلم في أحلك لحظات حياتي، في لندن. كنت قد أنهيت الماجستير والتحقت بوظيفة، ثم فقدتها في موجة تسريح جماعي، وكنت أعيش في منزل يتقاسمه أربعة عشر شخصاً، في القاع تحديداً، حين لا يتبقى ما تخسره، تتضح الرؤية، قررت أن أتبع الشغف الذي أجّلته طويلاً.
لم أكن أملك رصيداً كروياً يفتح الأبواب، لعبت في أكاديمية نادي الصيد في مصر، لكنني لم أبلغ مستوى عال، غير أن أصدقائي كانوا يرون ما لم أره بعد؛ كانوا يقولون إنني أمتلك عقلاً كروياً، وكانوا يرون فيّ مدرباً قبل أن أرى ذلك في نفسي، خضت تجارب تدريبية بسيطة في مصر من باب الهواية، ثم قلت : سأمنح الحلم فرصته، بدأت أطرق أبواب الأندية في لندن، إلى أن التقيت رجلاً كريماً من أصول جامايكية اسمه آفي مولتون، قرر أن يراهن عليّ. بدأت مدرباً مساعداً في بيئة لم تكن سهلة؛ لم يتقبلني مديري الفني، وواجهت تمييزاً وتلميحات عنصرية مؤلمة، لكن شيئاً من ذلك لم يوقفني، بل صار وقوداً.

لم أكن أعرف أحداً، ولم تكن لدي سيرة تدريبية، كان معي بكالوريوس وماجستيران وجوع حقيقي للتعلم. فبنيت طريقي على ما أملك: التحليل والدراسة، ذهبت أحلل المباريات بمنهجية الباحث، وقررت أن أقدم الأسلوب المصري في اللعب ولكن داخل منظومة منضبطة قابلة للتدريب، نجحت الفكرة، وصنعت هويتي الخاصة دون أن أفقد جذوري، متسلحاً بكل منهجية جديدة تعلمتها في الطريق، وكلما اقتربت من أهل الاختصاص الحقيقيين، ازداد الطريق وضوحاً.
وفي تلك الفترة وقعت مصادفة، التقيت الكابتن حازم إمام، أسطورة الزمالك ومنتخب مصر، في لندن فنصحني بكلمات بسيطة غيّرت الكثير: استمر، واصبر، وحصّل المزيد من الشهادات. أن تسمع ذلك من رجل عاش التجربة الأوروبية بنفسه، فهذه ليست نصيحة عابرة.
وقد أخذت النصيحة على محمل الجد. فإلى جانب رخص UEFA B and C واصلت التخصص عبر برامج التطوير المهني المعتمدة من UEFA: التحليل الاحترافي للمباريات وتحليل البيانات الكروية من المعهد الدولي لكرة القدم في ألمانيا (Internationales Fußball Institut)، والإدراك في كرة القدم والاستشفاء في كرة القدم من اتحاد تورينغن بإشراف الاتحاد الألماني، على يد خبراء من بينهم رئيس التدريب في أكاديمية أونيون برلين ومدرب تطوير في الاتحاد الألماني، ومتخصص في علوم الإدراك الكروي، وإدارة الأحمال الفردية للمحترفين من الاتحاد الليتواني، وبرامج تطوير المدربين من الاتحاد الأيرلندي.
أما أسعد لحظات الرحلة، فأربع لا أنساها. في إنجلترا، يوم رأيت لاعبين من فريقي ينتقلون إلى أكاديميتي تشيلسي وبرينتفورد؛ حينها أدركت أن البصمة أبقى من أي نتيجة. وفي ألمانيا، يوم هزمنا المدربين الألمان على أرضهم. وفي أيرلندا، يوم قدت فريقاً إلى نصف نهائي الكأس وخسرنا بشرف أمام شامروك روفرز، فريقٍ كان يسبقنا بأربع درجات كاملة في الهرم الكروي؛ عندما فاز فريقي على يونيون برلين وهيرتا برلين في عقر دارهما. ثم مع UCD، يوم قدنا فريق تحت الأربعة عشر عاماً للتأهل إلى الـ Elite Phase بعد سنوات من الغياب، وهزمنا شيلبورن العظيم على أرضنا، وعدنا من أرضهم بتعادل 4/4 بعد أن كنا متأخرين 4/0 تلك العودة تحديداً تلخص كل ما أؤمن به في كرة القدم والحياة.
جمعت بين انضباط وتكتيك المدرسة الألمانية، وعراقة الكرة الإنجليزية، وتنظيم الكرة الأيرلندية.. كيف يظهر هذا “الميكس” في شخصيتك التدريبية على أرض الملعب؟
قبل كل شيء، وهذه وصيتي لكل مدرب مصري: وصلت إلى المدارس الثلاث بشخصيتي المصرية، ولم أذب في أي منها، مصر تمتلك أفكاراً وهوية كروية عظيمة؛ ما ينقصنا ليس الموهبة، بل البنية التي تحوّل الأفكار إلى منهجية قابلة للتدريب، وقد فقدنا مع الوقت شيئاً أخطر: الإيمان بأننا قادرون على المنافسة في القمة.
المدرسة الألمانية منحتني الهيكل، وعلّمتني كيف أنقل فكرتي من الورق إلى الملعب من الألف إلى الياء، الكرة الإنجليزية منحتني السيولة وفتحت لي الأبواب؛ فالجلوس إلى مدربين من توتنهام ووست هام والاتحاد الإنجليزي والتعلم منهم ترك أثراً عميقاً في تكويني، وفي أيرلندا وجدت المسرح الذي طبّقت فيه كل ذلك على أعلى مستوى وحققت نتائج مميزة.

وهنا خيار مهني أعتز به، الأكاديميات الكبرى تبني نجاحها على استقطاب أفضل المواهب الجاهزة، وكان بإمكاني أن أسلك الطريق نفسه وأضمن النتائج، لكنني رفضت في مسيرتي أندية كان النجاح فيها مضموناً، واخترت عن وعي الأندية التي تتحداني كمدرب؛ أردت أن أطوّر اللاعبين لا أن أستقطبهم جاهزين، فالمدرب الذي يعتمد على اللاعبين الجاهزين لينقذوه لا يتعلم حرفة التدريب أبداً؛ أما الذي يصنع الفارق في اللاعب نفسه، فهذا هو المدرب الحقيقي، وكان من حسن حظي في هذا الطريق أن عملت جنباً إلى جنب مع مدربين لعبوا ودرّبوا في مؤسسات كبرى مثل ليفربول وريد بول نيويورك وأكسفورد يونايتد.
وسأروي لك قصة أعتز بها، حين سافرت إلى ألمانيا لدراسة رخصة UEFA B، خضعنا لاختبار عند الوصول، وقسّمونا فريقين: الألمان في جهة، وبقية العالم في جهة أخرى، الألمان يعرفون بعضهم ويلعبون بتنظيمهم المعهود، أما مجموعتنا فخليط لا يعرف أحدهم الآخر: مدربون من البرازيل وكولومبيا وإنجلترا والمغرب وغيرها، وجدت نفسي أتقدم وأرشح ذاتي لقيادة الفريق. تخيّل: مصري يقول لمدربين محترفين “أنا سأدير”، بدأ الأمر مفرط الثقة، لكنني قلت لهم بوضوح: أعرف المدرسة الألمانية جيداً، أعرف كيف سيلعبون، وأعرف كيف نهزمهم، ولسببٍ ما، وثقوا بي.
بدأت المباراة فاستقبلنا هدفين، علت الأصوات على الخط الجانبي بأن خطتي خاطئة، ودكة الألمان تضحك وتناديني “مورينيو”، يقصدون المدرب الذي لم يلعب كرة القدم احترافياً، ابتسمت، وتمسكت بفكرتي، وصبرت، ثم بدأنا نسجل، فزنا خمسة مقابل هدفين، ومنذ ذلك اليوم صار لقبي في المعسكر”مورينيو”.. ولكن باحترام.. وما زال اللقب معي حتى الآن.
من واقع دراستك في ألمانيا وإنجلترا.. ما الذي ينقص المدرب المصري أو العربي عموماً لكي يحصل على نفس فرصة التدريب والاعتراف في الدوريات الأوروبية الكبرى؟
الطريق شديد الصعوبة، وهناك تصور خاطئ راسخ عن الكرة المصرية والمدرب المصري. والمؤلم أن المشكلة تبدأ من الداخل، علينا أن نستثمر في المدرب المصري، وأن ندعمه ليتعلم في الخارج مع ضمان الفرص له في الداخل.
فوجئت مثلاً بأن اتحاد الكرة المصري أسند قيادة منتخب مواليد ٢٠١١ إلى مدرب إنجليزي تنحصر خبرته في التدريب بمالطا وكمبوديا، مع كامل الاحترام لمالطا وكمبوديا، مصر من أفضل عشرين منتخباً في العالم، فلماذا نفضّل الأجنبي لمجرد أنه إنجليزي؟ اسمه داريل ويلارد وسيرته الذاتية متاحة للجميع: https://www.linkedin.com/in/daryl-willard-3b095025/
في حالتي، أعترف أنني كنت محظوظاً، أجيد الإنجليزية بطلاقة، وأمتلك قدرة جيدة على تعلم اللغات، ووجدت في طريقي من آمن بموهبتي، لكن حتى الحظ له سقف، فحتى حين تنجح، تظل الثقافة الكروية الأوروبية منغلقة تفضّل أبناءها، في أيرلندا حققت سابقة بأن أصبحت أول مدرب مصري وأفريقي يقود فريقاً على هذا المستوى، ومع ذلك لا أتوهم أن تُمنح لي هنا قيادة الفريق الأول لنادٍ كبير أو منتخب شباب؛ فهذه المواقع تذهب لأبنائهم، ومصر، في رأيي المتواضع، عليها أن تتعلم الدرس نفسه: استثمروا في مدربيكم وأرسلوهم إلى الخارج، لكن احتفظوا بالمواقع المهمة لأبنائكم.
المدرب المصري يحتاج إلى خمسة أشياء: دعم، ومنظومة، وإيمان، ولغة، وانفتاح على الأفكار الجديدة دون أن يفقد هويته المصرية، لدينا الكثير لنقدمه للعالم؛ لدينا مدرسة عريقة تحمل أسماء صالح سليم وحسن شحاتة وحسام حسن وغيرهم، المطلوب أن نضيف إلى أنفسنا، لا أن نفقد أنفسنا.
ونصيحتي العملية: لتفعل مصر ما تفعله أمريكا اللاتينية، وتستثمر في إرسال مدربيها للحصول على الرخص الأوروبية، هذا استثمار تعود ثماره لعقود.
نادي UCD AFC معروف ببيئته الأكاديمية والرياضية المتميزة.. كيف تختلف عقلية تدريب وتطوير الناشئين (تحت ١٤ سنة) هناك، مقارنة بتجربتك مع Hanwell Town في لندن تحت ١٧ سنة؟
الفارق كبير، ودعني أشرح أولاً الفلسفة وراء هذا المسار، لأن كثيرين يسألونني: طموحك قيادة الفريق الأول للأندية، فلماذا نزلت في المراحل السنية؟
الإجابة عن قناعة تامة، أدركت أنك إذا استطعت إيصال أفكارك إلى لاعب نخبة عمره أربعة عشر عاماً، فستستطيع إيصالها إلى لاعب الفريق الأول، تدريب الأعمار الصغيرة يجبرك على التبسيط، وتبسيط الأفكار المعقدة هو أثمن مهارة يمكن أن يمتلكها مدرب، كما أنني درّبت فرقاً أولى للكبار من قبل، ولكن في مستوى متواضع، فشعرت أنني بحاجة إلى صقل أدواتي أكثر. وهذا هو المنطق نفسه الذي حكم مساري التعليمي: شهادات الاتحاد الإنجليزي في إنجلترا، وUEFA C في أيرلندا، وUEFA B في ألمانيا، أردت أن أتعلم اللعبة من زواياها المختلفة، لأجهّز نفسي للفرصة التي أوظّف فيها كل هذه الأدوات، وقبل كل شيء لأخدم لاعبيّ.
أما عن الفارق بين المرحلتين، فهو جوهري، في هانويل تاون كنت أدرّب لاعبين في السادسة عشرة والسابعة عشرة، وهي مرحلة شبه رجالية: اللاعب شبه مكتمل بدنياً، والتركيز ينصبّ على المنافسة والنتائج وتجهيزه لعتبة الكرة الرجالية، أما في UCD مع الأربعة عشر عاماً، فأنا أعمل في العمر الذهبي للتعلم التكتيكي؛ العمر الذي يتشكل فيه عقل اللاعب وقدرته على اتخاذ القرار، هنا لا تبني فريقاً يفوز فحسب، بل تبني اللاعب نفسه: إدراكه للمساحات، وقراءته للحظة، وشجاعته على الحل، وكلما صغر العمر، ازداد عمق العمل التطويري، وازدادت مساحة المدرب لصقل حرفته الحقيقية: التعليم.
باختصار: في السابعة عشرة تجهّز اللاعب للمستوى التالي، وفي الرابعة عشرة تصنع اللاعب ذاته.
ما هي فلسفتك التكتيكية المفضلة؟ هل تميل إلى أسلوب الاستحواذ والتمركز الألماني الصارم، أم تفضل اللعب المباشر والسرعات الإنجليزية؟
فلسفتي في جملة واحدة: النصف الأول من الملعب هندسة، والنصف الثاني فن.
أوروبا اليوم منقسمة بين مدرستين، التمركز (positionism)، حيث يلتزم اللاعب بمركزه ويتحكم الهيكل في كل شيء، والعلاقية (relationism)، حيث يتجمع اللاعبون حول الكرة ويتحركون بالإحساس والعلاقات فيما بينهم، والحقيقة التي أومن بها وأبني عليها عملي: أن الكرة المصرية والأفريقية تعيش هذا المزج منذ قرن كامل دون أن ينظّر له أحد. الهيكل جاءنا من أوروبا، أما العلاقية فوُلدت عندنا في الشارع، في كورة الشراب، في الحواري، واللاعب الذي يحمل الاثنين معاً له عندنا اسم لا يوجد له مرادف أوروبي دقيق: الحريف.
فكيف يُترجم هذا على أرض الملعب؟ عبر مبادئ لعب واضحة يتدرب عليها الفريق حتى تصير طبيعة ثانية:
في البناء، الهندسة، خروج منظم بالكرة من الخلف، والحارس محور اللعب لا متفرجاً، تدرجٌ محسوب عبر المحطات، وبحث دائم عن الرجل الثالث والزيادة العددية لكسر خطوط الضغط، كل لاعب يعرف المواقع التي يشغلها والعلاقات التي يبنيها، فنحن نعلّم اللاعبين “المواقع والأدوار” لا المراكز الجامدة؛ الظهير قد يظهر في العمق، والجناح قد يدخل ليصنع، والشكل يتغير والمبادئ ثابتة.
في الثلث الأخير، الفن بمجرد أن نؤمّن الكرة ونصل، تُرفع القيود ويصبح كل لاعب حريفاً: يقرأ اللحظة ويقرر؛ يراوغ ليخلخل التوازن، أو يلعب الواحد-اثنين، أو يستدعي الرجل الثالث، حريةٌ كاملة، ولكن داخل إطار: خلف كل مغامرة هجومية توازنٌ دفاعي جاهز، لأننا نهاجم ونحن مستعدون دائماً لاحتمال فقدان الكرة.
وفوق المبادئ، اللغة المشتركة، أهم ما أعمل عليه أن يتكلم الفريق كله لغة واحدة داخل الملعب، لدينا أنماط مدروسة نتدرب عليها، لكنني أذهب أبعد من ذلك: أصمم حصصاً أراقب فيها التصرفات الطبيعية للاعبين، الحلول التي يبتكرونها بفطرتهم، ثم أربطها ببعضها وأحوّلها إلى لغة الفريق، فالأنماط عندنا لا تُفرض من الأعلى فقط، بل يولّدها اللاعبون أنفسهم، وأشجع الإشارات المتبادلة أكثر من الأنماط الجاهزة؛ أريد لاعبين يقرأ بعضهم بعضاً، لأن ما يولد من قراءة اللحظة لا يستطيع أي محلل خصم أن يتنبأ به أو يجهز له. النمط الجاهز يمكن دراسته وإيقافه، أما الفهم المشترك فلا يُدرَّس في غرف التحليل.
عند فقدان الكرة، الشراسة، ضغط عكسي فوري وجماعي لاستردادها في ثوانٍ. هذا عندي ثابت من الثوابت غير القابلة للتفاوض.
بدون الكرة، الشبكة، دفاعٌ كشبكات تواصل مرنة تتحرك كجسد واحد وتغلق المساحات، لا كتلة جامدة تنتظر.
أما في التدريب، فكل تمرين يُصمم ليخدم مبدأً من هذه المبادئ، أنا لا أدرّب “تمارين”، أنا أدرّب قرارات، واللاعب الذي يفهم “لماذا” يتفوق دائماً على اللاعب الذي حفظ “كيف”.
فحين تسألني: ألمانية أم إنجليزية؟ أجيبك: مصرية بأدوات أوروبية، البناء المنظم يوصلنا، والحريف يحسم.
في مرحلة الناشئين (U14)، هل يكون التركيز الأكبر على الفوز وحصد النقاط، أم أن هناك معايير أخرى لتقييم نجاحك كمدير فني؟
في كرة الناشئين، المعيار الحقيقي هو اللاعبون الذين تنتجهم جاهزين لواقع الفريق الأول، أمتلك واحدة من أعلى نسب تخريج اللاعبين من مرحلة ما قبل النخبة إلى أكاديمية النخبة، وأعمل بمعادلة واضحة: ٦٠ في المئة تطوير، و٤٠ في المئة نتائج، أعمل في نادٍ يمنحني سيطرة كاملة على الفلسفة والأهداف، وأضع لنفسي سقفاً أعلى من أقراني، وهذا من روحي المصرية التي لا ترضى بالمتاح.
ورأيي الذي أجاهر به: كرة القدم يجب ألا تكون تنافسية قبل سن الثانية عشرة؛ قبلها التطوير فقط، وبعدها ينتقل التركيز إلى توظيف المهارات لحل مشكلات المباراة وكسب النقاط دون هوسٍ بالنتيجة، هذا نهج رأيته في ألمانيا وأعجبني عمقه.

الفوز مهم، لكنه نتيجة لا هدف، ومعاييري ثلاثة: الأول، تطور اللاعب الفردي: هل كل لاعب في الفريق أفضل من العام الماضي؟ هل يتخذ قرارات أذكى؟ الثاني، التخريج: كم لاعباً صعد إلى مستوى أعلى؟ خرّجنا تسعة لاعبين من ماونت ميريون إلى أكاديمية UCD، وهذا عندي أغلى من أي كأس، الثالث، الهوية: هل يلعب الفريق بطريقة واضحة يميزها أي مشاهد من الدقائق الأولى؟
والمفارقة الجميلة أنك حين تخلص لهذه المعايير الثلاثة، تأتي النتائج من تلقاء نفسها، تأهلنا إلى الـ Elite Phase، أعلى مستوى للناشئين في أيرلندا، لم يتحقق رغم فلسفة التطوير، بل بسببها.
إذا عُرض عليك مشروع حقيقي لقيادة أحد منتخبات مصر للشباب أو الناشئين، هل ترحب بالعودة ونقل هذه الخبرات الأوروبية لخدمة الكرة المصرية؟
لن أقول لمصر “لا” أبداً، مصر تحتاج أبناءها، وأنا واحد منهم.
طموحي المعلن أن أقود الفريق الأول لنادٍ يوماً ما، لكن خدمة مصر شرف لا يُرد بأي صورة كانت، منتخب الشباب تحديداً مشروع يثير شغفي، سواء كمدير فني أو مستشار أو محاضر، مصر في قلبي، وسأفعل ما بوسعي لأساعدها.
أما على مستوى الإدارة الفنية، فسأنظر إلى البيئة المتاحة وما إذا كان العرض مشروعاً حقيقياً، والشرط الوحيد هو الكلمة التي تفضلتَ بها: “مشروع حقيقي”، مشروع بصلاحيات واضحة، ووقت كافٍ، ومعايير نجاح متفق عليها من اليوم الأول، وهذا ليس شرطاً تعجيزياً، بل هو الأساس الذي رأيت كل عمل ناجح في أوروبا يقوم عليه.
لو توليت مسؤولية منتخب مصر للشباب غداً.. ما هو أول قرار أو “سيستم” ستسعى لتطبيقه فوراً؟
أول قرار لن يكون تكتيكياً، بل استراتيجياً: سأجلس أولاً لأفهم مشروع المنتخب الأول فهماً كاملاً، أكبر داء في كرتنا هو غياب الاستمرارية وجزر التفكير المنعزلة؛ كل جهاز يعمل وحده وكأن الآخر غير موجود، يجب على كل مدربي منتخبات الشباب والناشئين أن يعرفوا ما يحتاجه المنتخب الأول وما فلسفته للسنوات الخمس إلى العشر المقبلة، فنحن حلقات في سلسلة واحدة، لا ممالك متجاورة.
بعد ذلك أبني على ثلاث ركائز:
الأولى، منظومة تحليل وتوثيق كاملة، كل تدريب مصوَّر، كل مباراة محللة بالبيانات، كل لاعب له ملف تطور فردي وخطة أحمال، هذا هو الأساس الذي يقوم عليه أي عمل جاد، وهو أكبر فارق لمسته بين الكرة الأوروبية وكرتنا.
الثانية، الهوية سأعتمد المزيج الذي أومن به: التمركز والعلاقية معاً، وهذا ليس ترفاً نظرياً، بل سلاحنا الأمضى أمام الفرق الأوروبية التمركزية؛ فالعلاقية حين تُلعب بإتقان تربك أكثر الفرق تنظيماً، لأنها تكسر المرجعيات التي بُني عليها تدريبهم، يجب أن نأخذ من أوروبا ما يساعدنا على صياغة أفكارنا، وأن نستخدم ما نعرفه عنهم لهزيمتهم، لا لتقليدهم.
تكتيكياً: بناء منظم من الخلف، وحارس هو محور اللعب لا متفرجاً، ولدينا في الشارع المصري وصف له أدق من أي مصطلح أوروبي: جون ومحور، وفي الثلث الأخير حرية كاملة للحريف، وعند فقدان الكرة ضغط عكسي شرس يستردها فوراً.
الثالثة، الكرات الثابتة، سأضع عليها تركيزاً استثنائياً، فهي في تقديري أكثر أسلحة اللعبة استهانةً وأعلاها مردوداً، وهي الهوامش الصغيرة التي تُحسم بها البطولات وتاريخياً، هذه منطقة يمكن للكرة المصرية أن تتطور فيها كثيراً؛ الركنية المدروسة فرصة هدف تصنعها بالعمل الجماعي في التدريب، لا بموهبة فردية في الملعب.
والأهم من ذلك كله لن أستقدم لاعبين على مقاس النظام، بل سأبني نظاماً يستخرج أفضل ما في اللاعب المصري ونقطة قوته التاريخية معروفة، المهارة الفردية والإبداع.
كيف ترى مستقبل التدريب المصري في ظل وجود كوادر شابة في الخارج؟
متفائل جداً، بشرط واحد: أن تُرى هذه الكوادر كأصول استراتيجية للكرة المصرية، لا كأفراد غادروا ومضوا، هناك اليوم جيل كامل من المدربين والمحللين المصريين والعرب داخل المنظومة الأوروبية، يحصلون على الرخص، ويعملون في الأكاديميات، ويتعلمون المنهجيات من الداخل، والفارق الحقيقي هو وجود جسر يصل هذه الخبرة بالكرة المصرية من عدمه.
إذا فتح الاتحاد والأندية قنوات حقيقية مع المصريين في الخارج، ستكسب مصر شيئاً نادراً في سوق التدريب العالمي : مدربين يفهمون الثقافتين، ومن يفهم الثقافتين يستطيع الترجمة بينهما، وهذه ميزة تنافسية لا يمتلكها المدرب الأجنبي مهما علا اسمه.
ما هي رسالتك للمدربين الشباب في مصر الذين يحلمون بالسير على خطاك؟
سأقول لهم ما تعلمته بالطريقة الصعبة، دون تجميل :
لن يمنحك أحد فرصة لأنك تحلم ابدأ بتدريب أي فريق متاح: ناشئين، حواري، مدرسة، المهم أن تقف على خط التماس وتتحمل مسؤولية نتيجة، وادخل سلم الرخص من الآن، من أول شهادة محلية وصولاً إلى رخص UEFA، وتعامل معه كمشروع سنوات لا كخطوة واحدة.
