
بقلم: رنيم علاء نور الدين
في كل مسرح جريمة تبدأ معركة صامتة، طرفها الأول الجاني الذي يسعى لمحو كل ما قد يقوده إلى العدالة، والطرف الآخر رجال الأدلة الجنائية الذين يطاردون الحقيقة في أدق التفاصيل. فربما تكون قطرة دم،
أو بصمة إصبع، أو شعرة، أو حتى ذرة تراب عالقة بملابس أحدهم، هي الخيط الذي يفك أعقد ألغاز الجرائم.
ومع التطور العلمي، لم يعد كشف الجرائم يعتمد على الاعترافات أو أقوال الشهود فقط، بل أصبحت الأدلة الجنائية والطب الشرعي عنصرًا أساسيًا في التحقيقات،
حيث تسهم التحاليل العلمية في الوصول إلى الحقيقة حتى في القضايا الأكثر غموضًا.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية الإعلامية شيماء جمال، إذ لم تقتصر أدلة الاتهام على اعترافات المتهمين، بل دعمتها نتائج البصمة الوراثية (DNA) التي أثبتت وجود آثار وراثية للمتهمين على قطعة القماش المستخدمة في ارتكاب الجريمة،
إلى جانب بيانات شرائح الهواتف التي أكدت وجودهما في محيط المزرعة وقت وقوع الحادث. كما لعب تحليل الـDNA دورًا حاسمًا في تحديد هوية الجثمان بعد العثور عليه مدفونًا، لينهي مرحلة الغموض ويمهد لكشف تفاصيل الواقعة.
وفي قضية “مذبحة المرج”، جاءت الأدلة البيولوجية لتؤكد هوية إحدى الجثث وعلاقتها بالمتهمين، لتصبح نتائج المعمل الجنائي أحد أهم الأدلة التي استندت إليها التحقيقات، وتفشل محاولات إخفاء الحقيقة.
وتبدأ مهمة رجال الأدلة الجنائية منذ اللحظات الأولى عقب وقوع الجريمة، من خلال تأمين مسرحها ومنع العبث به،
ثم تصوير المكان ورفع جميع الآثار المادية والبيولوجية التي قد تساعد في كشف ملابسات الواقعة، مهما بدت بسيطة أو غير ذات أهمية.
ويؤكد خبراء الطب الشرعي أن كل احتكاك بين شخص ومسرح الجريمة يترك أثرًا متبادلًا، وهو ما يعرف بـ”مبدأ لوكارد”،
أحد أهم المبادئ العلمية في التحقيقات الجنائية، والذي يؤكد أن الجاني قد ينجح في التخلص من أداة الجريمة، لكنه يصعب عليه التخلص من جميع الآثار التي يتركها خلفه.
ولهذا أصبحت الأدلة الجنائية تُعرف بأنها “الشاهد الذي لا يكذب”، فهي تستند إلى الحقائق العلمية، ولا تتأثر بالمشاعر أو الضغوط، وتظل محتفظة بما وقع حتى يتمكن الخبراء من قراءة تلك الآثار وتحويلها إلى أدلة تقود إلى الحقيقة.
فهل أصبحت التكنولوجيا الحديثة والأدلة العلمية قادرة على كشف كل الجرائم، مهما حاول مرتكبوها إخفاء آثارهم؟
