علاء حمدي
تحت رعاية جامعة سيناء، وضمن فعاليات المنتدى الثاني عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية، برئاسة د. آمال إبراهيم، رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وبإشراف د. أشرف عبد العزيز، الأمين العام للاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة والمشرف على المجالس، قدم الأستاذ الدكتور محمد سعيد حسب النبي، رئيس قسم الجودة بجامعة MSA، ورقة علمية بعنوان “فلسفة العدالة في محاكم الأسرة: من صرامة النص إلى مقاصد الإنصاف والقسط”، وذلك ضمن جلسات المنتدى الذي عُقد تحت عنوان “قانون الأحوال الشخصية وحماية حقوق الطفل.. رؤية مستقبلية”.
وأكد د. محمد سعيد حسب النبي أن فلسفة العدالة في محاكم الأسرة تُعد من أدق المباحث التشريعية والإنسانية، لأنها لا تتعامل مع نزاعات قانونية مجردة، بل مع كيان الأسرة ومستقبل الأطفال. وأوضح أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية ذاتها، وإنما في الاكتفاء بتطبيقها بصورة حرفية، رغم أن الواقع الأسري أكثر تعقيدًا وتنوعًا من أن تستوعبه القواعد العامة وحدها.
وأشار إلى أن التطبيق الجامد للنصوص قد يحقق مساواة شكلية، لكنه قد يؤدي في بعض الحالات إلى ظلم الطرف الأضعف، وفي مقدمتهم الأطفال، وهو ما يستدعي الارتقاء بالعمل القضائي من مجرد الالتزام بحرفية النص إلى تحقيق مقاصد الإنصاف والقسط.
واستعرض الورقة ثلاثة مفاهيم تشكل هرم العدالة الأسرية، تبدأ بـ العدل باعتباره تطبيقًا للنصوص القانونية وفق المستندات والأوراق الرسمية، ثم الإنصاف الذي يمثل روح القانون، وهو المفهوم الذي أشار إليه الفيلسوف أرسطو باعتباره تصحيحًا للقانون عندما تعجز عموميته عن استيعاب خصوصية الحالات الفردية، وصولًا إلى القسط الذي يعد أسمى درجات العدالة، والمستمد من قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، حيث يركز على تحقيق العدالة المستدامة وضمان وصول الحقوق إلى أصحابها بما يحفظ استقرارهم النفسي والاجتماعي.
وضرب الباحث مثالًا بقضايا نفقة الصغير في محاكم الأسرة المصرية، موضحًا أن العدل الشكلي قد يقتصر على الحكم وفق مفردات المرتب الرسمية، بينما يسمح الإنصاف للقاضي بالتحقق من الدخل الحقيقي للأب إذا تبين وجود تحايل، أما القسط فيتحقق عندما يصدر حكم قابل للتنفيذ الفوري يحمي الطفل من المماطلة ويضمن استمرار حصوله على حقوقه دون أن يصبح ضحية للصراع بين الوالدين.
وأكد أن تحقيق هذه الرؤية لا ينبغي أن يعتمد فقط على اجتهاد القاضي أو خبرته الشخصية، بل يجب أن يتحول إلى منهج تشريعي تدعمه آليات قانونية حديثة، من بينها اعتماد المصلحة الفضلى للطفل كمعيار حاكم في جميع الأحكام، وتطوير آليات التحري المالي باستخدام الوسائل الرقمية لكشف الدخل الحقيقي، بما يمنع التحايل على حقوق الأطفال.
كما طرح الباحث مقترحًا بإنشاء صندوق لرعاية أطفال الشقاق، يتولى صرف النفقة المحكوم بها فورًا للأطفال، ثم يقوم الصندوق باستردادها من الأب الملتزم بالسداد عبر الإجراءات القانونية، بما يضمن عدم تحميل الطفل تبعات النزاعات القضائية الممتدة.
واختتم د. محمد سعيد حسب النبي ورقته بالتأكيد على أن الرسالة الحقيقية لمحاكم الأسرة لا تتمثل في إصدار الأحكام فحسب، وإنما في بناء عدالة إنسانية تحقق الاستقرار الأسري، وتحمي الأطفال، وتجعل من القاضي الأسري نموذجًا لـ”القاضي المُقسط” الذي يجمع بين قوة القانون وروح الرحمة، بما يرسخ العدالة ويصون مستقبل الأجيال القادمة.
