بقلم: د. رشا ربيع الجزار
الباحثة الأكاديمية في فلسفة التربية – كلية التربية – جامعة الفيوم
لم يعد العالم يقف أمام أزمة مناخية عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة، بل أمام تحول عميق يعيد طرح سؤال طالما اعتقد الإنسان أنه حسمه: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الإنسان بالطبيعة؟
فخلال عقود طويلة، انشغل النموذج التنموي الحديث بزيادة الإنتاج، وتسريع الاستهلاك، وتعظيم الاستفادة من الموارد، بينما ظلت الطبيعة في كثير من الأحيان تُعامل باعتبارها مخزونًا مفتوحًا يمكن استخراج موارده بلا حدود. ومع تصاعد التغيرات المناخية، وفقدان التنوع البيولوجي، وتدهور النظم البيئية، بدأت حدود هذا التصور تظهر بوضوح.
وهنا لا يكفي أن نسأل: كيف نحافظ على البيئة؟
بل يجب أن نذهب إلى السؤال الأعمق:
كيف نُعيد بناء الإنسان نفسه بحيث يصبح قادرًا على إصلاح علاقته بالطبيعة؟
من هنا تبرز فكرة التعليم التجديدي (Regenerative Education) بوصفها اتجاهًا فكريًا يستحق أن يدخل بقوة إلى النقاش التربوي العربي.
من الاستدامة إلى التجديد
لقد قدم مفهوم الاستدامة تحولًا مهمًا في الفكر التنموي والتربوي؛ إذ أصبح الحفاظ على الموارد وحقوق الأجيال القادمة جزءًا أساسيًا من السياسات العامة والتعليمية.
لكن عالمًا يواجه بالفعل آثارًا متراكمة للتدهور البيئي يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد تقليل الضرر.
فالاستدامة تسأل بصورة أساسية: كيف نستمر دون أن نستنزف الموارد؟
أما التفكير التجديدي فيضيف سؤالًا أكثر طموحًا:
كيف نعيد للحياة قدرتها على التجدد؟
وهذا فرق فلسفي مهم.
فالتعليم الذي يكتفي بأن يخبر الطالب بأن عليه تقليل استهلاك المياه والطاقة يحقق وعيًا بيئيًا مهمًا، لكن التعليم التجديدي يريد أن ينتقل بالطالب إلى مرحلة أخرى؛ أن يفهم النظام البيئي، ويكتشف مواطن الخلل فيه، ويشارك في تصميم حلول تساعد على استعادته وتحسين قدرته على الاستمرار.
وبذلك ينتقل المتعلم من مراقب للمشكلة إلى شريك في إصلاحها.
التعليم لم يعد يستطيع الوقوف على هامش الأزمة المناخية
لم تعد المدرسة مؤسسة منفصلة عن التحولات التي يشهدها العالم.
فالطالب الذي يجلس في الفصل اليوم سيعيش مستقبلًا تتقاطع فيه التغيرات المناخية مع الأمن المائي والغذائي، والصحة، والهجرة، والطاقة، وسوق العمل، والذكاء الاصطناعي.
ولهذا تتجه المؤسسات الدولية بصورة متزايدة إلى إعادة التفكير في دور التعليم في مواجهة الأزمة المناخية. وتعمل شراكة التعليم الأخضر التابعة لليونسكو على جعل المتعلم مستعدًا مناخيًا من خلال المعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات التي تساعده على فهم التغير المناخي والعمل تجاهه. كما تتبنى الشراكة تصورًا يجعل المدرسة كلها جزءًا من التحول، وليس المنهج الدراسي وحده.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التعليم التجديدي.
فالمطلوب ليس أن نحشو الكتب بمعلومات إضافية عن الاحتباس الحراري، وإنما أن نعيد صياغة فلسفة التعلم ذاتها.
من التعليم عن الطبيعة إلى التعلم مع الطبيعة
ربما يكون أحد أهم التحولات التي يمكن أن يقدمها التعليم التجديدي هو تغيير السؤال التربوي.
بدلًا من أن يتعلم الطالب عن الطبيعة فقط، يتعلم مع الطبيعة ومن أجلها.
فحين يدرس التربة، لا يكتفي بحفظ مكوناتها، بل يفهم كيف تتدهور وكيف يمكن استعادة خصوبتها.
وحين يدرس المياه، لا يتوقف عند دورة المياه في الطبيعة، بل يبحث في طرق الحفاظ عليها وإعادة استخدامها.
وحين يدرس التنوع البيولوجي، لا يحفظ أسماء الأنواع فقط، بل يدرك أن اختفاء نوع واحد يمكن أن يؤثر في شبكة كاملة من العلاقات البيئية.
وحين يدرس المناخ، لا يتعامل معه باعتباره فصلًا دراسيًا، بل باعتباره قضية مرتبطة بحياته وصحته واقتصاده ومستقبل مجتمعه.
هنا يصبح المكان نفسه معملًا للتعلم.
الطالب.. من متلقٍ إلى صانع حلول
التعليم التجديدي لا يريد طالبًا يعرف الإجابة الصحيحة في الامتحان فقط، وإنما طالبًا يستطيع أن يسأل:
ماذا يمكنني أن أفعل؟
يمكن للمدرسة أن تتحول إلى مساحة لتجارب حقيقية: قياس استهلاك المياه والطاقة، إنشاء حدائق مدرسية، استعادة المساحات الخضراء، دراسة النفايات، إعادة استخدام المواد، مراقبة التنوع البيولوجي المحلي، أو تصميم مشروعات صغيرة لمواجهة مشكلة بيئية في المجتمع.
هنا تتحول المعرفة إلى ممارسة.
وتتحول المدرسة من مكان لتلقي الحلول إلى مختبر لصناعة الحلول.
وهذا النوع من التعلم يطور في الوقت نفسه مهارات يحتاجها المستقبل بشدة: التفكير النقدي، التفكير المنظومي، الإبداع، العمل الجماعي، حل المشكلات، الاستشراف، وتحمل المسؤولية.
المعلم.. حجر الزاوية في التحول
لا يمكن أن تنجح أي فلسفة تربوية جديدة دون إعادة تعريف دور المعلم.
فالمعلم في عصر المناخ ليس مجرد ناقل للمعلومات البيئية، وإنما قائد لتجارب تعلم تساعد الطلاب على فهم التحديات وتحويلها إلى مشروعات وحلول.
ولهذا أصبحت إعدادات المعلمين وتطوير كفاياتهم المناخية جزءًا صريحًا من الأجندة الدولية للتعليم الأخضر؛ إذ تستهدف شراكة التعليم الأخضر التابعة لليونسكو أن تتضمن معايير مهنية للمعلمين تغير المناخ بحلول عام 2030.
وهذا يضع كليات التربية أمام مسؤولية تاريخية.
فإذا كنا نريد معلمًا قادرًا على صناعة جيل قادر على التكيف والتجديد، فلا يمكن أن يستمر إعداد المعلم بالمنطق نفسه الذي ساد قبل عقود.
نحن بحاجة إلى معلم يمتلك وعيًا مناخيًا، ويفهم التفكير المنظومي، ويستطيع توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات، ويصمم مشروعات تعليمية مرتبطة بقضايا البيئة والمجتمع، ويحول المدرسة إلى مساحة للابتكار.
الذكاء الاصطناعي.. هل يمكن أن يخدم التعليم التجديدي؟
قد يبدو الحديث عن الطبيعة والذكاء الاصطناعي متناقضًا، لكنه ليس كذلك.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الطلاب على تحليل البيانات المناخية، ومحاكاة السيناريوهات البيئية، ودراسة استهلاك الطاقة والمياه، واكتشاف الأنماط، وبناء حلول أكثر كفاءة.
لكن التكنولوجيا لا ينبغي أن تصبح غاية في ذاتها.
فالهدف ليس أن نصنع طالبًا أكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا، وإنما طالبًا يستطيع استخدام التكنولوجيا لإصلاح الواقع.
وهنا تلتقي الثورة الرقمية مع التربية البيئية في نقطة واحدة: الابتكار من أجل الحياة.
من المدرسة الخضراء إلى المدرسة التجديدية
يشهد العالم بالفعل توسعًا في مفهوم المدارس الخضراء. وتوضح اليونسكو أن المدرسة الخضراء لا تقتصر على المبنى أو الطاقة، وإنما تتبنى مقاربة شاملة تشمل التدريس، والمرافق، والإدارة، والشراكة مع المجتمع. كما أعلنت المنظمة في 2025 أن عشرات الآلاف من المدارس في دول عديدة بدأت بالفعل في تبني ممارسات خضراء.
لكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه مستقبلًا هو:
هل نستطيع أن ننتقل من المدرسة التي تقلل أثرها البيئي إلى المدرسة التي تترك أثرًا إيجابيًا في بيئتها؟
وهنا يمكن أن يبدأ مفهوم المدرسة التجديدية.
مدرسة لا تكتفي بتقليل استهلاك الكهرباء، بل تتعلم كيف تنتج جزءًا من احتياجاتها بالطاقة النظيفة.
لا تكتفي بإعادة تدوير النفايات، بل تعيد التفكير في أنماط الاستهلاك.
لا تكتفي بزراعة الأشجار، بل تدرس النباتات المحلية والتنوع البيولوجي وتعيد إحياء المساحات المتدهورة.
ولا تكتفي بتدريس المناخ، بل تجعل المناخ جزءًا من الحياة اليومية للمدرسة.
نحن لا نحتاج إلى تغيير المناهج فقط.. بل تغيير العقلية
وهنا تكمن القضية الفلسفية الأهم.
فأزمة المناخ ليست أزمة تكنولوجيا فقط، ولا أزمة قوانين فقط، وإنما هي أيضًا أزمة علاقة.
علاقة الإنسان بالاستهلاك.
علاقته بالموارد.
علاقته بالطبيعة.
وعلاقته بالمستقبل.
ولهذا فإن إصلاح البيئة يبدأ في جزء منه من إصلاح التصورات التي يحملها الإنسان عن البيئة.
فالطفل الذي يتعلم أن الماء مورد لا نهائي، سيكبر بعقلية مختلفة عن الطفل الذي يتعلم أن كل قطرة مسؤولية.
والطالب الذي يرى النفايات نهاية المنتج، يختلف عن الطالب الذي يراها بداية لدورة جديدة.
والمتعلم الذي يعتقد أن الطبيعة مجرد خلفية لحياته، يختلف جذريًا عن المتعلم الذي يدرك أنه جزء من شبكة الحياة ومسؤول عن استمرارها.
نحو فلسفة تربوية جديدة
إن التعليم التجديدي لا يعني إلغاء الاستدامة، بل البناء عليها وتوسيع أفقها.
فالاستدامة ضرورية لمنع المزيد من الاستنزاف، أما التجديد فيضيف طموحًا آخر: استعادة ما يمكن استعادته، وإحياء ما يمكن إحياؤه، وبناء نظم أكثر قدرة على التجدد.
ومن هنا يمكن أن تتطور فلسفة التربية من سؤال:
كيف نحافظ على ما لدينا؟
إلى سؤال:
كيف نترك العالم أفضل مما وجدناه؟
وهذه ليست عبارة رومانسية، وإنما يمكن أن تتحول إلى فلسفة عملية للمناهج، وإعداد المعلمين، والبحث العلمي، وإدارة المؤسسات التعليمية، وعلاقة المدرسة بالمجتمع.
الخاتمة: تعليم لا يكتفي بحماية المستقبل.. بل يصلحه
ربما تكون المهمة الكبرى أمام التربية في القرن الحادي والعشرين هي أن تتوقف عن إعداد الإنسان للتكيف مع عالم مريض فقط، وأن تبدأ في إعداده للمشاركة في تعافيه.
فالمستقبل لن يحتاج إلى أجيال تعرف حجم المشكلة فقط، بل إلى أجيال تمتلك القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، والخوف إلى ابتكار، والأزمة إلى فرصة للإصلاح.
ومن هنا، فإن التعليم التجديدي يمكن أن يمثل انتقالًا مهمًا من ثقافة المحافظة على الموارد إلى ثقافة تجديد الحياة، ومن التعليم الذي يشرح المشكلات إلى التعليم الذي يصنع الحلول.
إننا لا نحتاج إلى جيل يحفظ تعريف التغير المناخي، بقدر ما نحتاج إلى جيل يفهم علاقته به، ويعرف كيف يتكيف معه، وكيف يخفف أسبابه، وكيف يساعد بيئته على التعافي.
فإذا كانت الاستدامة قد علمتنا كيف نعيش دون أن نستنزف المستقبل، فإن التعليم التجديدي يطرح سؤالًا أكثر جرأة: كيف نُعيد للمستقبل قدرته على الحياة؟
وهنا تبدأ المهمة الحقيقية للتربية:
أن تُعيد للإنسان وعيه بأنه ليس سيدًا على الطبيعة، ولا منفصلًا عنها، بل جزءٌ منها ومسؤولٌ عن استمرارها.
