قبل أن تظهر منصات التواصل الاجتماعي، وقبل أن يصبح لكل شخص هاتف يعرض عليه آلاف الإطلالات في دقائق، كانت هناك شاشة واحدة تنتظرها ملايين النساء بشغف… شاشة السينما.
لم تكن المرأة المصرية تذهب إلى السينما لتشاهد قصة حب فقط، بل كانت تخرج منها وهي تحمل فكرة جديدة عن الذوق، والأناقة، وطريقة الوقوف، وتسريحة الشعر، وحتى أسلوب الحديث.
في ذلك الوقت، لم يكن مصمم الأزياء يختار الملابس عشوائيًا، بل كانت كل قطعة تُخدم الشخصية الدرامية. فستان البطلة الرقيقة لم يكن يشبه فستان المرأة القوية، وإطلالة الفتاة الشعبية لم تكن تشبه السيدة الأرستقراطية. كانت الملابس لغة بصرية تسبق الحوار، وتخبر المشاهد بمن أمامه.
ولهذا، لم تكن النساء يقلدن الفنانات لأنهن مشهورات فقط، بل لأنهن رأين فيهن نموذجًا متكاملًا للأناقة.
كم من فتاة دخلت إلى الكوافير وهي تحمل صورة لفاتن حمامة؟ وكم من شابة طلبت فستانًا يشبه ما ارتدته سعاد حسني؟ وكم من سيدة أعجبت برقي شادية أو نعومة مريم فخر الدين؟
لكن اللافت أن التقليد وقتها لم يكن تقليدًا أعمى. كانت المرأة تختار ما يناسبها، وتُضيف إليه لمستها الخاصة. لم يكن الهدف أن تصبح نسخة من الفنانة، بل أن تستلهم منها الذوق.
السينما المصرية لم تُغيّر الموضة فقط، بل ساهمت في تشكيل الوعي الجمالي لعدة أجيال. علمت النساء أن الأناقة لا تعني المبالغة، وأن قطعة بسيطة، إذا اختيرت بعناية، قد تكون أكثر تأثيرًا من إطلالة مليئة بالتفاصيل.
كما رسخت فكرة أن لكل مناسبة ملابسها، ولكل وقت أناقته، وأن احترام المكان يبدأ من احترام المظهر.
ثم تغير المشهد.
اليوم، أصبحت الشاشة أصغر، لكنها أكثر تأثيرًا. لم تعد هناك شخصية واحدة تلهم الملايين، بل آلاف الصور تمر أمام أعيننا كل يوم. وأصبح “التريند” يتغير بسرعة، حتى فقدت كثير من النساء فرصة تكوين ذوق خاص بهن.
صرنا نرى الإطلالة اليوم، وننساها غدًا.
أما إطلالات الزمن الجميل، فما زلنا نتذكرها بعد عشرات السنين.
وليس لأن الملابس كانت أغلى أو أفخم…
بل لأنها كانت تحمل هوية.
ربما لهذا السبب، ما زلنا عندما نصف امرأة شديدة الرقي نقول: “عندها شياكة الزمن الجميل.”
لأن السينما وقتها لم تكن تبيع ملابس…
كانت تربي ذوقًا.
وهنا يبقى السؤال الأهم:
هل ما زالت الشاشة اليوم تصنع الذوق… أم أصبحت تكتفي بصناعة التريند؟
هذا السؤال ربما لا يخص الموضة وحدها، بل يخص المجتمع كله، لأن الذوق ليس ما نرتديه فقط…
الذوق هو الطريقة التي نرى بها الجمال.
