تحت وطأة المشهد العربي المعقد يجد المواطن نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر ، فإما أمن القوت أو حرية الصوت .
هذا التوتر الشديد الذي يملأ الفضاء العام ليس مجرد هم معيشي طارئ أو عابر ، بل هو تجلي حقيقي لأعقد المساومات الفلسفية في تاريخ الدولة الحديثة .
فمنذ نشأة النظرية الكلاسيكية للعقد الاجتماعي ، صوغت مشروعية أي سلطة قائمة على معادلة مفادها : أن الدولة تحمي أمن المواطنين و في المقابل يتنازل المواطنون عن بعض من حقوقهم و حرياتهم .
و لكن و بنظرة تحليل بسيطة للمشهد السياسي العربي نكتشف أن ثَم أزمة حقيقية في الفكر السياسي العربي نتجت عن فهم أو اختلال في التطبيق لهذه المعادلة ، و هو ما أدى إلى ضبابية المشهد الراهن أو ربما لا معقوليته .
و لكي نضع أيدينا على الخلل ، يجب علينا أولاً أن نعرف ماهية التأسيس الفلسفي لمفهوم العقد الاجتماعي منذ نشأته ، ثم نسقط ذلك على المشهد السياسي العربي .
أولاً : التأسيس الفلسفي للعقد الاجتماعي .. منطق الخوف مقابل فلسفة الحق .
لكي نفكك المشهد يتوجب علينا العودة إلى لحظتين فارقتين بلورتا الفكر السياسي الغربي
الأولى جسدها ” توماس هوبز ” و الثانية جسدها ” جون لوك” ، حيث أن كلاهما صاغ فكرة عن السلطة و الشرعية .. و لكن الفكرتين كانتا مختلفتين حد التضاد .
١ ) توماس هوبز : ” صنم التنين ” الهروب من الفوضى :
في فلسفة توماس هوبز ” صنم التنين ” هو الدولة الشمولية الكلية القدرة أو بوصف مباشر السلطة المطلقة .
و هنا تجدر الإشارة إلى أن هوبز صاغ فلسفته تحت ثقل مشاهد الدمار و سلسلة الحروب الأهلية الإنجليزية في القرن السابع عشر .. فما هي فلسفته ؟
يرى هوبز أن المرحلة التي سبق فيها وجود الإنسان الدولة هي حالة من الصراع الدائم ، و أطلق عليها أسم ” حالة الطبيعة ” و هي عبارة عن حرب الجميع ضد الجميع ، و عليه تكون حياة الإنسان فيها فقيرة و وحشية و قصيرة .
و من رحم هذا الخوف الوجودي بنى هوبز معادلته الصارمة ، و التي مفادها : أنه ينبغي على الأفراد التنازل الكامل المطلق عن كافة حقوقهم و حرياتهم الطبيعية لصالح سلطة مركزية صلبة أو حاكم مطلق ، و سيكون المقابل الوحيد الذي يقدمه الحاكم هو فرض الأمن و كبح غريزة الاقتتال ، و البديل عن الاستبداد – من وجهة نظره – لن تكون الحرية ، بل الفوضى التي لا محاله ستأكل الأخضر و اليابس .
٢) جون لوك : العقد المشروط و صيانة الحرية حق أصيل :
في زمن أكثر استقراراً جاء جون لوك ، فأعاد بناء المفاهيم من زاوية مغايرة ، و هذه المفاهيم أصبحت لاحقاً عماد الفلسفة الليبرالية و الدستورية .
حالة الطبيعة عند لوك لم تكن غابة للوحوش ، بل كانت حالة من الحرية و المساواة المستندة إلى عقل إنساني فطري سليم . من هذا المنطلق أسس لوك نظريته بأن الإنسان لم يدخل مجتمع الدولة ليتنازل عن حقوقه الأصيلة ، بل ليعزز صونها و حمايتها .
فالسلطة طبقاً لهذا المفهوم هي ” وكيل مشروط ” يُمنح اختصاصات إجرائية محددة لحراسة الحقوق الثلاثة الكبرى ( الحياة ، الحرية ، التملك ) و بما أن الوكالة مشروطة ، فإن أي تجاوز من السلطة لهذه الحقوق أو تحول في أدواتها لتصبح أداة لقمع الناس يُسقط مشروعيتها .
ثانياً : الواقع العربي قبل ما سمي بثورات الربيع العربي ..
لنفسر ما جرى في المنطقة العربية خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة ، لا بد من العودة إلى المشهد الذي سبق لحظة الانفجار في عام ٢٠١١.
فعلى مدى عقود تلت مرحلة الاستقلال و خروج المستعمر الأجنبي ، تشكلت في معظم الدول العربية سلطة تتكفل بالتوظيف و الدعم و كفالة الخدمات و الأمن ، مقابل صمت المجتمع و تنازله ضمنياً عن المشاركة السياسية الحقيقية و كذلك حرية التعبير .
و رغم أن هذا السياق و وفق هذا السيناريو حفظ ما يمكن أن يوصف بأنه استقرار داخلي نسبي لمعظم دول المنطقة و لعقود ، إلا أن سببين جوهريين قادا لمشهد ٢٠١١ :
* تراجع قدرة الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المعيشية : و ذلك بسبب التحولات الاقتصادية و تفاقم الفساد الإداري ، بالإضافة للزيادة السكانية ، مما أثر بشكل مباشر على الطبقات الوسطى و الفقيرة .
* حالة الانسداد السياسي : إذا تحول الاستقرار إلى حالة من الجمود ، سُدت من خلاله منافذ التعبير ، و جففت العقول ، و غابت الأحزاب و إن وجدت فهي أحزاب هيكلية ، مما جعل البيئة المجتمعية محمولة على احتدام و غليان لا يجد قنوات مؤسسية لتعامل معه و امتصاصه .
و هكذا دخل الشارع العربي ل2011 في حالة اختناق …فلا عقد هوبز ضمن الحقوق و التنمية الموعودة، و لا عقد لوك كان متاحاً للتنفس من خلاله .
ثالثاً : ٢٠١١ .. فهل كانت البيئة مستعدة ؟
عندما اندلعت شرارة ما سمي بالربيع العربي، رفعت الجماهير شعارات تنادي بالكرامة و العدالة و الحرية ، غير أن الاندفاع في الشارع تصادم سريعاً مع واقع معقد ، لم ينتبه له الشباب الثائر :
فمن جهة الأحزاب السياسية كانت هشة و لا تملك ذلك النضج السياسي القادر على إدارة التنوع ( بكل أشكاله ) ، كما أنها كانت غير قادرة على صياغة عقد يضمن تداول سلمي للسلطة .
و كان هذا أمر منطقي .. فبعد عقود طويلة من تجريف الحياة السياسية و الحزبية ، بالإضافة إلى وجود تيارات أيديولوجية لا تملك ثقافة المساومة السياسية ، كل ذلك جعل الفراغ الناجم عن اهتزاز السلطة المركزية يمتلئ في كثير من دول المنطقة بالهويات الفئوية و الطائفية ، و من ثم الانزلاق في الفوضى .
و من جهة أخرى ، فقد كان هناك ما هو أشد خطراً و أكثر تعقيداً ، ألا و هو التربص الإقليمي و الدولي و الذي كان ينتظر الوقت المناسب لاختراق الجسد العربي .
فبعد اهتزاز البنية الأمنية في أغلب دول المنطقة ، تحولت الساحات العربية إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية و الدولية .
و بين تغذية للصراعات المسلحة ، و دعم أجنبي لوكلاء محليين ، و تحويل للمطالب الشعبية بالحرية إلى حروب بالوكالة و تفكيك لمؤسسات الدولة الوطنية ، شاهدنا مشاهد قاسية من تهجير و حروب الأهلية و الانهيار الكامل لمفهوم الدولة في بعض البلدان .
رابعاً : ميلاد المواطن العربي ” هوبز ” .. من غريزة البقاء إلى دولة القانون ..
فذلك المواطن العربي الذي شاهد أهوال التفكك و التدخلات الأجنبية في جواره الإقليمي ، أصبحت لديه أولوية ذهنية تتلخص في كلمة واحدة هي ” البقاء “.
غير أن الاكتفاء بـهذه العقيدة يظل استقراراً ظاهرياً يخفي النار تحت الرماد ، و الأمن العاري من العدالة و الشفافية يغذي الفساد و يجعل الأزمات تتراكم لتتفجر لاحقاً و بضراوة أشد .
إن الخروج من هذا الفخ لا يكون بسجن العقل العربي في معادلة صفرية وهمية تُفاضل بين ضمان الأمن أو الحرية تؤدي إلى الفوضى .
فلا يمكن لمجتمع أن يستمر طويلاً في جلباب “هوبز” ، كما أنه لا يمكن أن يقفز فجأة إلى مثالية “لوك” دون بناء مؤسسي سليم ، و المستقبل الحقيقي مرهون بالعبور نحو دولة القانون و المؤسسات ، تلك الدولة التي تملك القوة لحماية الأمن و تأمين العيش ، و تملك أيضاً الحكمة التي تتسع لكرامة المواطن و حريته معاً .
