
بقلم: رنيم علاء نور الدين
في صباح بدأ بتمرين كرة قدم وانتهى عند شاطئ البيطاش بالإسكندرية، خرج الشاب زياد محمد أحمد محمود من منزله دون أن يعرف أن ساعات قليلة تفصله عن نهاية مأساوية. كان صاحب الـ18 عامًا يستعد لدخول الصف الثالث الثانوي،
ويعمل إلى جانب والده في إحدى الكافيتريات لمساعدته في تحمل أعباء الأسرة، قبل أن يجد نفسه أمام مشهد لم يستطع تجاهله: أشخاص يواجهون الغرق ويطلبون النجدة.
لم يكن زياد منقذًا، ولم تكن مهمته تأمين الشاطئ أو التعامل مع حالات الغرق. ومع ذلك، قرر النزول إلى البحر. وبحسب رواية والده،
شارك نجله في إنقاذ 6 أشخاص من الغرق، وتمكن من مساعدتهم على الخروج من المياه، لكن المشهد الذي بدأ بمحاولة إنقاذ الآخرين انتهى بفقدان زياد حياته، بعدما غلبته الأمواج.
هنا تبدأ الحكاية التي تركت وراءها 6 ناجين وأسرة فقدت ابنها.
كان زياد قد استيقظ مبكرًا لأداء تمرين كرة القدم، ثم توجه إلى عمله. وفي أثناء ذلك، كانت والدته قد تحدثت معه هاتفيًا للاطمئنان عليه.
لم تكن تعلم أن تلك المكالمة ستكون آخر تواصل بينهما، قبل أن يتلقى والده اتصالًا يخبره بما حدث.
يقول محمد أحمد محمود، والد زياد: «زياد كان شغال في الكافيتريا، ومش منقذ، لكنه لما شاف ناس بتغرق ما قدرش يقف يتفرج عليهم،
ونزل ينقذهم رغم إنه مش مسؤول عنهم، وربنا كتب له إنه ينقذ 6 أشخاص، لكن السحب أخذه بعد كده».
لم يكن الأب يتحدث عن ابنه باعتباره شابًا غرق في حادث عابر؛ كان يتحدث عن شخص اعتاد الوقوف إلى جانبه. يصفه بأنه كان يساعده في العمل،
ويحاول تحمل جزء من مسؤوليات الأسرة التي تضم خمسة أبناء، كما كان محبوبًا بين أصدقائه وزملائه، بحسب رواية والده.
ثم جاء الاتصال الذي غيّر كل شيء.
انتقلت الأجهزة الأمنية، برفقة سيارات الإسعاف ورجال الإنقاذ النهري، إلى موقع البلاغ في شاطئ البيطاش، وبدأت عمليات البحث عن الشاب وانتشال جثمانه.
ووفقًا لما أعلنته الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية، فإن زياد شارك في إنقاذ 6 أشخاص تعرضوا للغرق، وتمكن من مساعدتهم، قبل أن تغلبه الأمواج ويلقى مصرعه غريقًا.
وبعد انتشال الجثمان، تم تحرير محضر بالواقعة وإخطار جهات التحقيق لمباشرة أعمالها.
لكن السؤال الذي تفرضه الواقعة لا يتعلق فقط بكيفية غرق زياد، وإنما بما حدث قبل نزوله إلى البحر.
فبحسب رواية والده، لم يكن زياد منقذًا، وإنما كان شابًا رأى أشخاصًا في خطر وقرر التدخل لمساعدتهم. ومن هنا تظهر أهمية البحث في إجراءات تأمين الشواطئ، خاصة في الأوقات التي ترتفع فيها خطورة النزول إلى البحر.
والد زياد طالب المسؤولين عن الشواطئ بوجود أفراد تكون مهمتهم منع المصطافين من النزول إلى المياه فور رفع الراية الحمراء، موضحًا أن وجود المنقذين وحده قد لا يكون كافيًا إذا أصر البعض على تجاهل التحذيرات.
وتفتح الواقعة بذلك أكثر من علامة استفهام: هل تكفي الرايات والتحذيرات لمنع المصطافين من النزول إلى البحر في أوقات الخطورة؟
وهل توجد إجراءات كافية للتعامل مع الأشخاص الذين يصرون على مخالفة التعليمات؟ وماذا يحدث عندما يتحول إنقاذ شخص تجاهل التحذيرات إلى خطر جديد على شخص آخر؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من رواية واحدة، وتبقى الإجابة عنها مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات والإجراءات المتبعة لتأمين الشاطئ وقت وقوع الحادث.
أما في منزل زياد، فهناك سؤال مختلف تمامًا، لا يتعلق باللوائح أو إجراءات الإنقاذ، وإنما بغياب شخص كان قبل ساعات فقط يستعد ليومه بصورة طبيعية.
والده يقول عنه: «كان صاحبي وأخويا وحبيبي، وحبيب الناس جميعًا».
وفي نهاية حديثه، لم يطلب الأب سوى الدعاء لنجله، مؤكدًا أنه يحتسبه عند الله ويرجو أن يكون ما فعله في إنقاذ الآخرين في ميزان حسناته.
وهكذا، انتهت واقعة غرق زياد في شاطئ البيطاش بالإسكندرية بعودة 6 أشخاص إلى أسرهم، بينما عادت أسرة زياد من الشاطئ من دونه.
ستة أشخاص نجاهم زياد من البحر، لكن أحدًا لم يتمكن من إنقاذه.
ويبقى السؤال الذي تضعه الواقعة أمام المسؤولين قبل أي شخص آخر: هل يمكن أن تكون حماية الأرواح على الشواطئ أكثر فاعلية،
بحيث لا يضطر شاب مثل زياد إلى النزول لإنقاذ غريق، ولا تتحول محاولة الإنقاذ نفسها إلى مأساة جديدة؟
