كتب : علي سلطان
متى يتحول التصرف العادي إلى جريمة؟ ولماذا يقدم شخص على ارتكاب فعل يعرف أنه قد يضعه تحت طائلة القانون؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها مع كل واقعة جنائية جديدة، خاصة عندما تكشف التحقيقات أن بعض الجرائم لم تبدأ بحدث كبير، وإنما بسلسلة من التصرفات والقرارات التي تطورت تدريجيًا حتى وصلت إلى مرحلة يصعب معها التراجع.
ولا يمكن اختزال الجريمة في سبب واحد، فخلف كل واقعة تفاصيل مختلفة، قد تتداخل فيها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتأثير المحيط، والرغبة في تحقيق مكسب سريع، أو الانتقام، أو استغلال ثقة الآخرين، إلى جانب عوامل أخرى تختلف من شخص إلى آخر.
كيف يبدأ السلوك الإجرامي؟
في بعض الوقائع، يبدأ الأمر بتجاوز للقواعد أو استهانة بالقانون، ثم تتطور التصرفات عندما يعتقد الشخص أن بإمكانه الإفلات من المسؤولية.
وقد يكون أول مؤشر هو تكرار المخالفات أو الاعتماد على الخداع أو استخدام بيانات الغير أو تقديم معلومات غير صحيحة، ومع استمرار السلوك قد تنتقل الواقعة من مجرد مخالفة إلى فعل تجرمه القوانين، بحسب طبيعة التصرف وتوافر أركان الجريمة.
لماذا يغامر البعض بارتكاب الجريمة؟
الدوافع تختلف من جريمة لأخرى، ولا توجد شخصية واحدة يمكن وصفها بأنها “شخصية المجرم”.
فبعض الجرائم قد يكون دافعها الحصول على المال، وأخرى ترتبط بالخلافات أو الانتقام، بينما تظهر جرائم أخرى نتيجة استغلال التكنولوجيا أو البيانات الشخصية أو ثقة الضحايا.
وفي بعض الحالات، يلعب المحيط الاجتماعي دورًا في تطبيع بعض السلوكيات المخالفة، خاصة عندما يعتقد الشخص أن ما يفعله “أمر بسيط” ولن يترتب عليه عواقب.
التكنولوجيا فتحت بابًا جديدًا للجرائم
مع انتشار الهواتف المحمولة والإنترنت، لم تعد الجريمة مرتبطة فقط بالشارع أو الأماكن العامة، وإنما انتقلت بعض صورها إلى العالم الرقمي.
وانتشرت جرائم مرتبطة بانتحال الشخصية، والاحتيال، وإساءة استخدام البيانات، واختراق الحسابات، واستغلال المعلومات الشخصية، وهو ما جعل حماية البيانات والتوعية بالحقوق والواجبات القانونية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الضحية ليست دائمًا غافلة عن الخطر
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ضحايا الجرائم يقعون فيها بسبب الإهمال فقط، فهناك جرائم تعتمد على الخداع والإقناع واستغلال الثقة، وقد يتمكن مرتكبها من إخفاء نواياه لفترة طويلة.
ولهذا أصبحت التوعية من أهم أدوات الوقاية، خصوصًا فيما يتعلق بالبيانات الشخصية والأموال والحسابات الإلكترونية والمستندات الرسمية.
متى تتدخل أجهزة الدولة؟
عندما تتوافر شبهة بوقوع جريمة، تبدأ الجهات المختصة في جمع المعلومات وفحص الأدلة وسماع أقوال الأطراف، ثم تحدد جهات التحقيق المسؤوليات وفقًا لما تكشفه التحريات والأدلة.
وهنا تظهر أهمية عدم إصدار أحكام مسبقة على أي شخص قبل انتهاء التحقيقات وصدور قرار من الجهات المختصة أو حكم قضائي نهائي.
هل العقوبة تمنع الجريمة؟
العقوبة تمثل أحد أدوات مواجهة الجريمة، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة.
فالحد من السلوك الإجرامي يحتاج إلى الوقاية والتوعية، وتعزيز الرقابة، وحماية البيانات، وتطوير آليات اكتشاف المخالفات، إلى جانب تطبيق القانون على من تثبت مسؤوليته.
الخلاصة
الجريمة في كثير من الحالات لا تظهر فجأة، وإنما قد تسبقها مجموعة من السلوكيات والقرارات التي تتراكم حتى تصل إلى مرحلة خطيرة.
ولهذا فإن فهم سلوكيات الجريمة لا يعني البحث عن مبررات لمرتكبيها، وإنما محاولة فهم كيف تتشكل الظاهرة، وكيف يمكن اكتشاف مؤشرات الخطر مبكرًا، وحماية المجتمع قبل أن تتحول المخالفة إلى جريمة كاملة الأركان.
