محمد أكسم يكتب:ياسين وحكاية المدينة

كانت تلك المدينة تشبه صفحة بيضاء فى كتاباً مفتوحاً ,على طرق واسعة تفضي إلى نهر هادئ، وبيوتاً تعلو نوافذها نباتات الياسمين.
كانت المدينة تنعم بتناغم غريب، كأن الناس اتفقوا دون كلام على أن يبدأ النهار بابتسامة مفعمة بالأمل، وأن ينتهي بوعد جديد, ثم في ليلة ما، حدث شيء لم ينتبه إليه أحد,وهو ضوء أحمر خافت تسلل من زاوية مهجورة من المدينة، كأنه نبض غريب وغير متزن, يبحث عمن يسمعه وفي صباح اليوم التالي، بدأت علامات الفوضى تظهر وتنتشر كخيط رفيع ينساب بين الأزقة دون أن يراه أحد.
تأخرت الحافلات، تداخلت المواعيد ، تنازعت الإخوة في البيوت لأتفه الأشياء شيئاً فشيئاً،اختلاف وجهات النظر دون محاولة التفاهم ,الفوضى في الأسواق, انتشار العدوانية, بدت المدينة كمن فقد ميزانه الداخلي, وفي ذلك الوقت، كان الطفل ياسين هو أكثر من لاحظ التغيير.
لم يكن ياسين بطلاً ولا مشاغباً,لكن كان مجرد طفلاً يراقب العالم بعينين تسألان أكثر مما تجيبان.
ياسين كان يرى الوجوه المتوترة، ويسمع شكاوى الناس، ويتساءل:
“كيف تغير كل هذا في يوم واحد؟”
فى ذات اليوم،بينما كان يعود من المدرسة خطواته مثقلة بالتفكير، لمح ضوءاً أحمر ينبعث من جراج قديم خلف البيوت
اقترب بخوف، لكن فضوله كان أقوى, وما إن فتح الباب حتى اكتشف جهازاً غريباً، تحيط به دوائر من الرموز، ينبعث منه ذلك الضوء المتقطع.
ياسين لم يكن يعلم أن هذا الجهاز ليس سوى بوابة صغيرة خرجت منها روح الفوضى التي تسمى “العشوائي”, كائن من ظلال وأصوات، لا يظهر لمن لا يشعر بعبء الاختلاط، ولا يسمعه إلا من يرهقه ضياع الخطوات.
عندما اقترب أكثر، همس صوت عميق:
“الفوضى غذائي ما دام الناس عاجزين عن ترتيب حياتهم، سأظل أقوى”
تراجع ياسين مذعوراً، لكنه لم يكن وحده, في تلك اللحظة، ظهر ضوء أزرق رقيق، وظهر ثلاثة أشخاص لا يشبهون أحداً في المدينة, لم يكونوا أبطالاً خارقين، بل كانوا أشبه بحكماء الزمن الذين يعرفون ما يخفيه البشر في التفاصيل الصغيرة.
رجل في منتصف العمر، يمشي بثقة الهادئين.-
-امرأة تلمع عيناها تحمل دفترًا كبيرًا يشبه دفتر الرسم.
-رجل يرتب كل شئ من حوله وكأنه ينسق موسيقى صامتة
تقدم “الأول” نحو ياسين وقال بابتسامة مطمئنة
“لا تخف.. نحن هنا منذ زمن بعيد, كلما نسيت مدينة معنى التنظيم، ظهرنا”
جلس الثلاثة حوله، وبدءوا يشرحون له أن الفوضى ليست كائناً أسطورياً فقط,بل إنها تنمو عندما يفقد الناس القدرة على التخطيط، عندما تعجز الأسر عن ترتيب أيامها، عندما ينسى الأطفال معنى الوقت، وتضيع الأولويات.
قالت “المرأة” وهي ترسم بأصابعها خطاً في الهواء
التخطيط طريق نعيد به السلام إلى أرواحنا””
في اليوم التالي، بدأت رحلة ياسين معهم لم تكن رحلة شاقة، بل كانت رحلة اكتشاف
تعلم فيها كيف يكتب مهامه اليومية، كيف يساعد أسرته في ترتيب يومهم، كيف يصبح وجوده في المنزل مصدراً للراحة وليس للإزعاج أو الفوضى, ومع كل خطوة يتقنها، كانت العشوائية تتراجع قليلاً ويتآكل ظلها, لكن العشوائية لم تستسلم, ظهر يوماً ما في ساحة المدينة، مكبراً صوته، ملوحاً بضباب كثيف
“”لن يستطيع أحد إيقافي..التخطيط ملل النظام قيد”
اجتمع الناس، بعضهم خائف، وبعضهم غاضب، لكن ياسين تقدم بثبات, فتح دفتره الصغير، ذلك الذي علمه أبطال التخطيط كيف يصنع منه مفتاحاً لحياته.
“”أبدأ يومي بابتسامة
“أرتب حقيبتي قبل النوم”
أساعد أمي في تنظيم المنزل””
أخصص وقتاً للقراءة والبحث””
وأترك وقتاً للعب المفيد””
كانت الكلمات بسيطة, لكنها خرجت منه كضوء يبدد الظلال
يواجه قوى العشوائية المفسدة، وتلاشى صراخه، وانكمش حتى صار بخارا تبعثر في الهواء قبل أن يختفي تماماً.
عادت المدينة إلى أنفاسها الأولى هدأت الأزقة، وانتظمت المدارس، وتصالحت البيوت مع نفسها, أما ياسين فصار رمزاً صغيراً للذين يريدون أن يبدءوا حياة مرتبة ومنظمة دون تعقيد.
وفي مساء هادئ، قبل أن يعود الأبطال الثلاثة إلى عالمهم، قال له الأول وهو يمثل الزمن:
“يا ياسين المدن لا تبنى بالعشوائية، بل تبنى بخطط واضحة وقلوب نابضة وعقول تعرف ما تريد, ثم تركوه واقفاً في الساحة، يحمل دفتره, وابتسامة جديدة كأنها بداية فصل آخر من حياته.




