مريم مصطفى تكتب | أكتوبر 1973.. يوم غيّر معادلة الشرق الأوسط
إعداد / مريم مصطفى
في السادس من أكتوبر 1973، لم تبدأ مصر معركة عسكرية عادية،مريم مصطفى تكتب | أكتوبر 1973.. يوم غيّر معادلة الشرق الأوسط
وإنما بدأت واحدة من أكثر العمليات العسكرية تعقيدًا في تاريخ المنطقة؛
معركة كان المطلوب فيها أن تعبر قوات مصرية قناة السويس،
وتتجاوز واحدًا من أصعب الموانع الدفاعية، وتواجه جيشًا إسرائيليًا كان قد بنى منظومته العسكرية على
أساس أن سيناء أصبحت حاجزًا يصعب على الجيش المصري تجاوزه.
لكن المفاجأة لم تكن في عبور القناة وحده.

المفاجأة الحقيقية أن مصر احتاجت إلى سنوات من إعادة بناء الجيش والتخطيط
والتدريب والخداع الاستراتيجي حتى وصلت إلى لحظة العبور.
وفي الثانية ظهرًا تقريبًا يوم 6 أكتوبر 1973، الموافق 10 رمضان 1393 هجريًا،
بدأت العمليات المصرية والسورية المتزامنة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء وهضبة الجولان.

وتؤكد وثائق أمريكية تاريخية أن القتال اندلع على الجبهتين المصرية والسورية في ذلك التوقيت تقريبًا،
وأن الهجوم فاجأ صانعي القرار في واشنطن كما فاجأ إسرائيل.
من هزيمة 1967 إلى قرار المواجهة
لفهم أكتوبر، لا يمكن البدء من يوم 6 أكتوبر فقط.
ففي يونيو 1967 تعرضت مصر وسوريا والأردن لهزيمة عسكرية كبيرة أمام إسرائيل،
وسيطرت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان،
إضافة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة في سياق الحرب.

وبالنسبة لمصر، لم تكن خسارة سيناء مجرد فقدان مساحة جغرافية؛
فقد أصبحت قناة السويس خط مواجهة مباشرًا،
وتحولت الضفة الشرقية للقناة إلى منطقة عسكرية شديدة التحصين.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة.
خاضت مصر حرب الاستنزاف بين عامي 1967 و1970،
وفي الوقت نفسه بدأت القوات المسلحة عملية إعادة بناء شاملة شملت التدريب والتسليح والدفاع
الجوي وإعادة تنظيم القوات.
وكان استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية،
على الجبهة في 9 مارس 1969، واحدًا من أبرز مشاهد تلك المرحلة.

ثم جاء وقف إطلاق النار، لكن حالة «اللاسلم واللاحرب» لم تكن تعني أن مصر تخلت عن هدف استعادة الأرض.
وعندما تولى أنور السادات رئاسة الجمهورية بعد وفاة جمال عبد الناصر عام 1970،
أصبح الاستعداد للحرب أكثر وضوحًا، إلى أن تحولت الفكرة إلى خطة عسكرية فعلية.
لماذا لم تكن الحرب قرارًا مفاجئًا؟
القرار السياسي بالحرب لم يكن يعني أن القوات المسلحة تستطيع الدخول إلى سيناء في اليوم التالي.
كان هناك سؤال أكثر صعوبة:
كيف يمكن لجيش مصري أن يعبر قناة السويس ويواجه خط بارليف دون أن يتحول العبور إلى كارثة؟
هنا ظهر دور التخطيط العسكري.
كان الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة،
من أبرز المسؤولين عن صياغة التصور العملياتي الذي يتناسب مع قدرات الجيش المصري.

الفكرة الأساسية لم تكن الدخول في حرب مفتوحة بلا حدود، وإنما تنفيذ عملية محددة: عبور القناة،
إسقاط تحصينات خط بارليف، إنشاء رؤوس كباري شرق القناة، والتمسك بمواقع يمكن الدفاع عنها.
وتشير المصادر المصرية الرسمية إلى أن التخطيط العملياتي بدأ قبل الحرب بسنوات،
وأن «خطة المآذن العالية» كانت من أهم مراحل الإعداد لعملية العبور قبل أن تتطور الخطة إلى عملية «بدر».
وكان المشير محمد عبد الغني الجمسي من أبرز العقول التي شاركت في تحديد توقيت الحرب،
بينما كان أحمد إسماعيل علي القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية.
أخطر سلاح قبل الطائرات والدبابات.. كان «الخداع»
ربما تكون هذه واحدة من أهم النقاط التي تستحق أن يعرفها القارئ اليوم.

قبل أن تبدأ الطائرات المصرية في ضرب أهدافها، كانت هناك معركة أخرى تدور في عقول القيادات العسكرية والاستخباراتية.
معركة: هل ستعرف إسرائيل موعد الحرب؟
عملت مصر على تنفيذ خطة خداع استراتيجي واسعة لإخفاء الاستعداد الحقيقي للحرب،
وإقناع إسرائيل بأن التحركات المصرية والسورية لا تعني بالضرورة أن هجومًا شاملًا وشيكًا سيبدأ.
واللافت أن الوثائق الأمريكية المفرج عنها بعد سنوات تؤكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها أخطأت في تقدير احتمالات الحرب،
وكانت تعتقد أن التفوق العسكري الإسرائيلي سيجعل الدول العربية مترددة في بدء هجوم.
وتوضح دراسة منشورة لدى CIA أن التحليل الأمريكي تأثر بالتصورات المسبقة حول القدرات العسكرية العربية وبـ«التفكير الجماعي»،
ما ساهم في عدم توقع الهجوم بالشكل الصحيح.

وهنا تظهر واحدة من أهم دروس أكتوبر:
ليس دائمًا الطرف صاحب التكنولوجيا الأكبر هو الطرف الذي يملك أفضل معلومة.
أحيانًا تكون المعلومة الصحيحة في الوقت الصحيح أهم من كمية السلاح نفسها.
لماذا 6 أكتوبر؟ ولماذا الساعة الثانية ظهرًا؟
اختيار التوقيت لم يكن عشوائيًا.
جاء الهجوم في يوم عيد الغفران اليهودي «يوم كيبور»، وهو من أهم الأعياد اليهودية،
وكانت الحياة العامة داخل إسرائيل في ذلك اليوم مختلفة بصورة كبيرة.
كما جاء الهجوم في أكتوبر، وهو توقيت مناسب من الناحية المناخية للعمليات على الجبهتين المصرية والسورية.
أما اختيار الساعة الثانية ظهرًا فكان له اعتبارات عسكرية،
من بينها ظروف الرؤية وموقع الشمس بالنسبة للقوات المهاجمة والمدافعة.
وهكذا لم يكن السؤال:
«متى تستطيع مصر أن تحارب؟»
بل:
«متى تستطيع مصر أن تحارب في أفضل ظروف ممكنة، بينما تكون إسرائيل في أسوأ ظروف الاستعداد؟»
الساعة التي تغيّر فيها شكل الجبهة
في السادس من أكتوبر، بدأت الضربة الجوية المصرية والتمهيد المدفعي بالتزامن مع بدء الهجوم السوري على الجولان.

وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، شاركت أكثر من 220 طائرة في الضربة الأولى،
بينما بدأ التمهيد المدفعي على طول الجبهة، ثم اقتحمت قوات المشاة قناة السويس باستخدام قوارب الاقتحام،
وبدأ المهندسون العسكريون في فتح ممرات داخل الساتر الترابي.
ولم يكن عبور القناة مجرد نزول جنود إلى الماء.
كان وراءه عمل هندسي بالغ التعقيد.
فالقناة نفسها كانت مانعًا مائيًا، وعلى الجانب الشرقي كان الساتر الترابي وخط بارليف والتحصينات والأسلاك والألغام.
وكان على القوات المصرية أن تحقق عدة أهداف في وقت متقارب:
فتح الثغرات، عبور المشاة، إقامة الكباري، نقل الدبابات والمعدات، تأمين رؤوس الكباري، ثم صد الهجمات المضادة.
وتشير وزارة الدفاع المصرية في توثيقها للحرب إلى مراحل الضربة الجوية والتمهيد النيراني وعبور قناة السويس وتدمير تحصينات خط بارليف،
ثم تكوين رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة.
«طلمبات المياه»… حين هزمت الفكرةُ الساترَ الترابي
من أكثر تفاصيل الحرب شهرة قصة استخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي لفتح ثغرات في الساتر الترابي.
بدل الاعتماد على وسائل هندسية أبطأ وأكثر تعقيدًا،
استُخدمت المياه لإزالة كميات كبيرة من الرمال وفتح ممرات تسمح بمرور القوات والمعدات.
الفكرة تبدو بسيطة عندما نسمعها اليوم لكن قيمتها العسكرية كانت هائلة؛
لأن الفكرة البسيطة في اللحظة الصحيحة قد تختصر ساعات من المعركة.
وهنا يمكن ربط أكتوبر بما يحدث في عصر التكنولوجيا الحديثة:
اليوم تتحدث الجيوش عن الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والأقمار الصناعية والحرب الإلكترونية.
لكن القاعدة نفسها لم تتغير:
التكنولوجيا لا تنتصر وحدها.. الذي ينتصر هو الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها.
وماذا حدث لخط بارليف؟

كان خط بارليف منظومة دفاعية إسرائيلية على طول الضفة الشرقية لقناة السويس،
اعتمدت على تحصينات ومواقع عسكرية وساتر ترابي وعوائق هندسية.
وكان التصور الإسرائيلي أن هذه المنظومة ستجعل عملية العبور شديدة الصعوبة.
لكن في الساعات الأولى من الحرب، نجحت القوات المصرية في عبور القناة وفتح الممرات وإقامة الكباري ونقل القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
وتشير المصادر المصرية إلى أنه خلال الساعات الأولى تم فتح عشرات الممرات وإقامة الكباري وتشغيل المعديات،
ما سمح بتدفق القوات المصرية إلى شرق القناة.
وهنا انهارت إحدى أهم الأفكار التي بُنيت عليها الدفاعات الإسرائيلية: أن القناة والسد الترابي يمكن أن يمنعا الجيش المصري من العودة إلى سيناء.
ماذا كان يحدث في الجولان؟

في الوقت نفسه، لم تكن مصر تخوض الحرب وحدها.
ففي الجبهة الشمالية، شن الجيش السوري هجومًا على القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان.
وكان الهدف السوري استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967.
وبذلك وجدت إسرائيل نفسها أمام جبهتين رئيسيتين في وقت واحد: سيناء والجولان.
وهذه النقطة كانت جوهرية في تحقيق عنصر المفاجأة؛ إذ لم يكن أمام إسرائيل جبهة واحدة تستطيع تركيز قواتها عليها منذ اللحظة الأولى.
وتؤكد الوثائق الأمريكية أن الهجوم المصري والسوري بدأ في اليوم نفسه وعلى الجبهتين المصرية والسورية.
لكن الحرب لم تنتهِ في الأيام الأولى
وهنا يجب التفريق بين النجاح الكبير في بداية الحرب وبين المسار الكامل للحرب.
فبعد نجاح القوات المصرية في عبور القناة وتثبيت رؤوس الكباري، تطورت العمليات،
ودخلت إسرائيل في هجمات مضادة، ثم حدث تحول مهم في النصف الثاني من الحرب.
وفي 16 أكتوبر تقريبًا بدأت القوات الإسرائيلية عبور قناة السويس في منطقة الدفرسوار، لتنتقل المعارك إلى الضفة الغربية للقناة.
وتشير الوثائق التاريخية لوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن القوات الإسرائيلية عبرت القناة في 16 أكتوبر،
ثم بدأت مرحلة جديدة من الحرب دفعت الأطراف الدولية بصورة أكبر إلى البحث عن وقف إطلاق النار.
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا من رواية «طرف انتصر في كل شيء وطرف خسر في كل شيء»
حرب أكتوبر شهدت نجاحات وإخفاقات عسكرية على مراحل، لكن هدف الحرب المصرية الأساسي،
وهو كسر حالة الجمود وفتح الطريق لاستعادة سيناء سياسيًا وعسكريًا، أصبح واقعًا جديدًا بعد الحرب.
العالم دخل الحرب.. دون أن يرسل جنوده إلى الجبهة
لم تكن حرب أكتوبر حربًا مصرية إسرائيلية سورية فقط.
كانت أيضًا مواجهة غير مباشرة بين قوتين عظميين في ذلك الوقت:
الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا لإسرائيل، بينما قدم الاتحاد السوفيتي دعمًا عسكريًا لمصر وسوريا.
ومع تطور الحرب، تحولت الأزمة إلى أزمة دولية خطيرة للغاية.
وتوضح الوثائق الأمريكية أن الولايات المتحدة بدأت جسرًا جويًا لإمداد إسرائيل
بينما استمرت موسكو في إمداد مصر وسوريا بالسلاح، وهو ما جعل الحرب مرتبطة مباشرة بالتوازن الدولي في الحرب الباردة.
وفي مرحلة لاحقة، اقتربت واشنطن وموسكو من مواجهة مباشرة،
حتى رفعت الولايات المتحدة درجة استعداد قواتها النووية في 25 أكتوبر، قبل أن تهدأ الأزمة.
النفط يدخل المعركة
ومن أكثر النتائج التي امتدت خارج أرض المعركة استخدام النفط كأداة ضغط سياسية واقتصادية.
فالحرب أدت إلى أزمة طاقة عالمية بعدما فرض منتجو النفط العرب حظرًا على الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، وهو ما أحدث اضطرابًا اقتصاديًا واسعًا.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا للقارئ المعاصر
الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات.
الاقتصاد، والطاقة، والتجارة، والتحالفات، وسلاسل الإمداد، كلها أصبحت جزءًا من القوة الوطنية.
وهو درس نراه اليوم بوضوح أكبر من أي وقت مضى.
كيف انتهت الحرب؟

صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 في 22 أكتوبر 1973، داعيًا إلى وقف إطلاق النار وبدء تنفيذ القرار 242
ثم صدر القرار 339 في اليوم التالي لتأكيد وقف إطلاق النار وإرسال مراقبين للأمم المتحدة.
لكن القتال لم يتوقف بصورة نهائية، فصدر قرار مجلس الأمن رقم 340 في 25 أكتوبر،
مطالبًا بوقف إطلاق النار بصورة كاملة، وقرر إنشاء قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة لمراقبة الوضع.
وهكذا لم يكن آخر يوم في الحرب مجرد نهاية لإطلاق النار، بل بداية لمرحلة جديدة من المفاوضات.
أكتوبر لم ينتهِ يوم 24 أكتوبر
هذه ربما أهم نقطة تاريخية يجب ألا تختزلها كتب المدارس في سطر واحد.
بعد وقف إطلاق النار، بدأت مرحلة المفاوضات والاتصالات السياسية، ومن بينها مباحثات الكيلو 101 واتفاقيات فض الاشتباك
وتوضح الوثائق التاريخية الأمريكية أن الحرب فتحت الطريق أمام تحرك دبلوماسي واسع قاده هنري كيسنجر،
وأدت لاحقًا إلى اتفاقات فض الاشتباك المصرية الإسرائيلية والسورية الإسرائيلية.
ثم جاءت محطة فارقة:
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وبعدها استردت مصر معظم سيناء، إلى أن اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المصرية،
ثم جاءت قضية طابا التي انتهت لصالح مصر بالتحكيم الدولي عام 1989.
وهكذا تحولت نتائج حرب أكتوبر من معركة على الأرض إلى مسار سياسي طويل انتهى باستعادة سيناء المصرية.
ماذا تعلمنا أكتوبر بعد أكثر من نصف قرن؟
بعد مرور أكثر من خمسين عامًا، ربما يكون السؤال الأهم ليس فقط:
«مَن عبر القناة؟»
بل:
«كيف استطاعت دولة أن تعيد بناء نفسها عسكريًا بعد هزيمة قاسية، ثم تدخل حربًا بخطة محددة، وتفاجئ خصمًا متفوقًا تكنولوجيًا؟»
الإجابة تكشف مجموعة من الدروس التي ما زالت صالحة حتى اليوم.
أولًا: لا توجد هزيمة نهائية ما دام هناك قدرة على التعلم.
بعد 1967 لم يكن الحل في الشعارات، وإنما في إعادة بناء القوات المسلحة والتدريب والتخطيط.
التكنولوجيا مهمة، لكنها تحتاج إلى معلومات صحيحة وتخطيط جيد وتدريب وانضباط.

ثالثًا: الخداع جزء من الحرب.
وهو ما أصبح أكثر وضوحًا اليوم مع تطور الحرب السيبرانية والمعلوماتية والإعلامية
رابعًا: الهندسة والابتكار قد يغيران نتيجة معركة.
قصة فتح الساتر الترابي بالمياه مثال شهير على أن الحل غير التقليدي يمكن أن يصبح أهم من القوة الخام.
المعركة لا تنتهي عند آخر طلقة
فالحرب قد تنتج عنها مفاوضات، واتفاقات، وتحولات اقتصادية ودبلوماسية تستمر لعقود.
من «خداع استراتيجي» إلى «حرب معلومات».. ما الذي تغير؟
في 1973 كانت المعركة تدور حول إخفاء نوايا التحرك العسكري عن أجهزة استخبارات متقدمة
أما اليوم، فقد أصبح فضاء المعلومات نفسه ساحة حرب.
صور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي،
والحرب الإلكترونية، وتحليل البيانات، كلها تجعل إخفاء التحركات العسكرية أكثر صعوبة.
لكن المفارقة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة سهولة الوصول إلى الحقيقة.
ففي 1973 أخطأت أجهزة استخبارات في قراءة الإشارات.
واليوم يمكن أن تكون المشكلة مختلفة:
المعلومة موجودة، لكن كثرتها قد تجعل الوصول إلى المعلومة الصحيحة أكثر صعوبة.
وهنا يصبح درس أكتوبر حاضرًا:
لا يكفي أن تجمع المعلومات.. يجب أن تعرف كيف تفسرها.
أكتوبر بين الأمس واليوم
العالم الذي خاضت فيه مصر حرب أكتوبر كان عالمًا ثنائي القطبية، تقوده الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
أما العالم اليوم فأكثر تعقيدًا، وتتداخل فيه القوى الكبرى والتحالفات الإقليمية والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.
لكن هناك شيئًا واحدًا لم يتغير:
الدول لا تستطيع بناء أمنها على رد الفعل فقط.
التخطيط المسبق، والاستعداد، وتطوير القدرات، وحماية المعلومات، وبناء المؤسسات، كلها عوامل تصنع الفارق عندما تأتي لحظة الاختبار.
ولهذا فإن قراءة أكتوبر اليوم لا يجب أن تكون مجرد استعادة لذكريات الماضي، أو ترديد أرقام محفوظة.
بل يجب أن تكون محاولة لفهم كيف يتحول التخطيط إلى قدرة، والقدرة إلى قرار، والقرار إلى نتيجة.
أكتوبر.. أكثر من ذكرى
في النهاية، تظل حرب أكتوبر 1973 واحدة من أهم المحطات في التاريخ المصري والعربي الحديث.

بدأت في السادس من أكتوبر بهجوم مصري سوري مفاجئ، وشهدت عبور قناة السويس وتحطيم تحصينات خط بارليف،
ثم تطورت إلى معارك معقدة وتدخلات دولية وضغوط اقتصادية وسياسية، وانتهت بوقف إطلاق النار ثم مسار طويل من المفاوضات.
والأهم أن نتائجها لم تتوقف عند ميدان القتال.
فالحرب أعادت تشكيل الحسابات السياسية في المنطقة، ودفعت الولايات المتحدة إلى دور دبلوماسي أكبر وأسهمت في الوصول إلى اتفاقات فض الاشتباك، ثم إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
ولهذا، عندما نتحدث عن أكتوبر، فنحن لا نتحدث فقط عن يوم عبر فيه الجنود قناة السويس.
نحن نتحدث عن سنوات من الإعداد، وعن جيش أعاد بناء نفسه، وعن خطة عسكرية درست التفاصيل،
وعن خداع استراتيجي نجح في تحقيق المفاجأة، وعن معركة أثرت في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.
أكتوبر لم يكن يومًا واحدًا في التاريخ.. أكتوبر كان لحظة بدأت قبل 6 أكتوبر بسنوات، واستمرت نتائجها لعقود.
