تحقيقات

كيف رسمت «الإدارية العليا» حدود اللجوء للجان التوفيق؟

 

بقلم: رنيم علاء نور الدين

 

في قاعة هادئة بمجلس الدولة، أعادت المحكمة الإدارية العليا طرح سؤال قديم جديد: كيف يمكن تحقيق العدالة دون أن تتحول ساحات المحاكم إلى متاهة تُرهق المتقاضين والقضاة معًا؟ الإجابة جاءت في حيثيات حكم أكدت فيه المحكمة فلسفة المشرّع من إنشاء لجان التوفيق، وحدود الالتزام بها، ومتى يصبح تجاوزها أمرًا مشروعًا.

 

المحكمة أوضحت أنه وفق ما انتهت إليه دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا، فإن المشرّع، سعيًا لتحقيق العدالة الناجزة، وتيسير حصول ذوي الشأن على حقوقهم في أقرب وقت ممكن، ودون تحميلهم أعباء مالية قد تثقل كاهلهم، أصدر القانون رقم 7 لسنة 2000، بإنشاء لجان للتوفيق في بعض المنازعات التي تنشأ بين الجهات الإدارية والعاملين بها أو غيرهم من الأفراد أو الأشخاص الاعتبارية الخاصة، أيًا كانت طبيعة تلك المنازعات.

 

هذا التنظيم لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل رتّب المشرّع أثرًا قانونيًا واضحًا على عدم الالتزام به، يتمثل في عدم قبول الدعاوى التي تُقام مباشرة أمام المحكمة دون المرور على لجان التوفيق المختصة. غير أن المحكمة شددت على أن هذا الإلزام ليس مطلقًا، إذ استثنى القانون منازعات بعينها، لطبيعتها الخاصة أو لحساسية الجهات الإدارية طرف النزاع.

 

فالمادة الرابعة من القانون، بحسب ما بيّنت المحكمة، أخرجت من نطاق الخضوع له منازعات تتعلق بجهات إدارية ذات طبيعة خاصة، مثل وزارة الدفاع والإنتاج الحربي، والأجهزة والجهات التابعة لها، فضلًا عن المنازعات المتعلقة بالحقوق العينية، التي قد تستعصي بطبيعتها على الحل عبر لجان التوفيق، أو تلك التي أفرد لها المشرّع تنظيمًا خاصًا لفضها، سواء عن طريق لجان قضائية أو إدارية أو هيئات تحكيم.

 

ولم يقف الاستثناء عند هذا الحد. فقد أكدت المحكمة أن نوعًا آخر من المنازعات خرج من نطاق الإلزام باللجوء إلى لجان التوفيق، وهو ما نصت عليه المادة (11) من القانون، وهي المنازعات التي تتسم بطابع الاستعجال. تلك المسائل، وفق الحيثيات، يتعين الفصل فيها فورًا، دون انتظار المواعيد المقررة في قانون لجان التوفيق، بل في آجال أقرب، حفاظًا على مصالح أصحاب الشأن.

 

وضربت المحكمة مثالًا بطلبات إلغاء القرارات الإدارية المقترنة بطلبات وقف التنفيذ، باعتبارها منازعات مستعجلة بطبيعتها، إذ يقوم قبول طلب وقف التنفيذ على ركنين أساسيين: الجدية والاستعجال، فإذا انتفى أحدهما بات الطلب غير مقبول، وهو ما لا يحتمل إطالة الإجراءات أو المرور على لجان قد تعرقل سرعة الحسم.

 

هكذا، رسمت المحكمة الإدارية العليا خريطة واضحة للتوازن بين تسريع العدالة وتخفيف العبء عن القضاء من جهة، وحماية الحقوق المستعجلة التي لا تحتمل الانتظار من جهة أخرى… فهل تنجح هذه المعادلة دائمًا في تحقيق العدالة دون أن تتحول القواعد الإجرائية نفسها إلى عائق جديد أمام المتقاضين؟

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى