دكتورة سارة فوزي للمصور : نحتاج لتعليم مهارات التحقق لمواجهة الأخبار المزيفة والذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين يهدد المصداقية.

حوار محمد أكسم
في زماننا هذا لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر فحسب، بل أصبح قوة قادرة على تشكيل العقول وصناعة الوعي،حيث تلمع أسماء قليلة استطاعت أن تمسك بخيوط هذا التحول بوعيٍ عميق ورؤية استثنائية ومن بين هذه الأسماء تتألق الدكتورة سارة فوزي، كواحدة من أبرز النماذج الأكاديمية والإعلامية التي جمعت بين العلم الراسخ والفكر المتجدد، وبين البحث الجاد والتأثير الحقيقي.
هي ليست فقط أستاذة تدرس داخل قاعات الجامعة، بل مدرسة متكاملة في الفكر والمعرفة، تبذل جهدا كبيرا و دؤوبا لا يعرف الكلل ولا الملل في تطوير طلابها، وصقل وعيهم، وفتح آفاق جديدة أمامهم لفهم عالم إعلامي يتغير كل لحظة.
استطاعت د/سارة أن تحول العملية التعليمية إلى تجربة حية نابضة، لا تلقن فيها المعلومات بقدر ما تصنع فيها العقول القادرة على التفكير والتحليل والإبداع.
وعلى المستوى الإعلامي، قدمت د/سارة فوزي نموذجًا فريدًا للباحث الواعي الذي لا يكتفي بالرصد، بل يسعى للفهم والتفسير والتوجيه، خاصة في قضايا الإعلام الرقمي وتأثيراته المتشابكة، لتصبح واحدة من الأصوات المهمة التي تنبه إلى مخاطر الاستخدام غير الواعي للتكنولوجيا، وتدعو إلى إعلام أكثر مسؤولية وعمقًا.

ما يميزها بحق ليس فقط علمها الغزير وثقافتها الواسعة، بل ذلك الذكاء الهادئ الذي ينعكس في طرحها، ورقي شخصيتها الذي يفرض حضوره دون ادعاء، وتواضعها النبيل الذي يزيدها قربًا وتأثيرًا.
إنها شخصية تجمع بين الصرامة الأكاديمية والإنسانية الراقية، وبين الطموح الكبير والإخلاص الصادق لما تؤمن به.
فى البداية نرحب بالدكتورة سارة فوزى أستاذ الإعلام الرقمى بكلية الإعلام جامعة القاهرة أهلا بحضرتك فى موقع جريدة المصور نيوز
القارئ يتسائل من هى د/سارة فوزى بعيدا عن الشهرة والأضواء؟
د/سارة فوزي خريجة كلية الإعلام بجامعة القاهرة بتقدير امتياز، وقد عينت معيدة ثم مدرسًا مساعدًا، وصولًا إلى درجة مدرس,تخصصى في الاتصال السياسي والسينما التحليلية، واعد حاليًا أبحاث الترقية في مجالات الإعلام الرقمي، ودراسات التواصل الاجتماعي، والإعلام الاقتصادي.

إلى جانب عملي الأكاديمي، اعمل في مجال التسويق داخل الشركات ككاتبة نصوص إبداعية ومديرة علاقات عملاء، وشاركت في تنفيذ عدد من الحملات الإعلانية والإعلامية لصالح الهيئة العربية للتصنيع والبورصة المصرية.
كما اعمل محاضرًا للدراسات العليا بالكلية، وبالشعبة الإنجليزية، وبقسم الإذاعة والتلفزيون وقدمت برنامجًا عبر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تناول الوجه الآخر للتكنولوجيا، مسلطا الضوء على الجوانب غير البراقة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي ومخاطره.
حصلت على العديد من التكريمات من جهات مختلفة، منها جامعات ومؤسسات إعلامية وأكاديمية، مثل الجامعة الأمريكية، والمجلس الأعلى للثقافة، والمؤسسة العربية لإعداد القادة وتنمية المهارات، وذلك بفضل عملى في مجال الإعلام ونشر ثقافة التطوع والثقافة المعلوماتية والفكرية
كما قدمت بودكاست تعليميًا عبر منصة “أهوائنا”، تناول كيفية تسويق المحتوى الرقمي بشكل احترافي.
كيف بدأت رحلتك الأكاديمية في مجال الإعلام الرقمي؟ وما الذي جذبك لهذا التخصص؟
بدأت رحلتي عندما قررت إعداد رسالة الماجستير حول دور مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل اتجاهات الشباب نحو التمكين السياسي للمرأة، خاصة بعد عام 2011، حيث أصبحت هذه المواقع جزءًا أساسيًا من حياة الناس، وازداد تأثيرها بشكل ملحوظ.
وجدت حينها أن من الضروري التوجه نحو دراسة الإعلام الرقمي، رغم أن تخصصي الأساسي كان الإذاعة والتلفزيون، الذي أصبح يُصنّف ضمن وسائل الإعلام التقليدية.
ومن هنا بدأ اهتمامي بدراسة الإعلام الرقمي، خاصة من زاوية الظواهر النفسية وتأثيرها على السلوكيات والاتجاهات، وهو ما أصبح لاحقًا محور أبحاث الترقية الخاصة بي.

يشهد الإعلام الرقمي تطورًا سريعًا، كيف ترين هذا التحول وتأثيره على الإعلام التقليدي؟
يرتبط هذا التطور ارتباطًا وثيقًا بتطور التكنولوجيا نفسها، سواء في الأقمار الصناعية أو البث الرقمي,لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب التقني فقط، بل يرتبط أيضًا باحتياجات الإنسان، خاصة الأجيال الجديدة التي تتعامل مع التكنولوجيا بسهولة وتسعى دائمًا إلى المزيد.
وقد أصبحت الشركات تستغل هذا الشغف لتقديم تقنيات مثل الواقع الافتراضي والمعزز، بل أصبح الإنسان نفسه جزءًا من التجربة الرقمية، كما في تطبيقات “الميتافيرس” والألعاب التفاعلية.
كل هذه التحولات تفتح مجالات واسعة للبحث العلمي، وتطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وإمكانية الوصول إلى ما يُعرف بمجتمعات “ما بعد الإنسانية”، وتأثير ذلك على السلوك والمشاعر والوعي.
هل أصبح الإعلام الرقمي المصدر الأول للمعلومات؟
نعم، أصبح الإعلام الرقمي المصدر الأول للمعلومات، بينما تراجع الإعلام التقليدي بشكل ملحوظ, فمع انتشار الشاشات الذكية والإنترنت، أصبح المشاهد يختار ما يريد مشاهدته في الوقت الذي يريده.
ولهذا، اتجهت القنوات التقليدية إلى إنشاء منصات رقمية لعرض محتواها، وهو ما يؤكد أن المستقبل للإعلام الرقمي، مع استمرار القنوات الإخبارية ولكن بأساليب عرض حديثة تعتمد على الواقع المعزز والافتراضي.
كيف تقيمين وعي الشباب باستخدام وسائل الإعلام الرقمي؟
الشباب اليوم واعٍ تكنولوجيًا، لكنه قد يكون عرضة للتأثر العاطفي، خاصة عند عرض محتوى يحمل طابعًا إنسانيًا، حتى وإن كان غير دقيق.
المشكلة أن بعض وسائل الإعلام التقليدية أصبحت تعتمد على مواقع التواصل في تحديد أولوياتها، مما يؤدي أحيانًا إلى نشر معلومات غير دقيقة.
لذلك نحن بحاجة إلى نشر ثقافة “الدراية المعلوماتية”، وتعليم مهارات التحقق من الأخبار والمحتوى، سواء في المدارس أو الجامعات، لمواجهة ظاهرة الأخبار المزيفة والمحتوى المضلل

ما أبرز التحديات الأخلاقية التي يفرضها الإعلام الرقمي؟
أولًا: عدم الانسياق وراء “ثقافة التريند”، التي قد تروج لمحتوى سطحي أو غير هادف.
ثانيًا: ضرورة تطوير مهارات التحقق من الصور والفيديوهات، خاصة مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعى.
ثالثًا: التركيز على جودة المحتوى والمعلومة بدلًا من السعي للسبق فقط.
رابعًا: الاهتمام بالقضايا المهمة مثل التكنولوجيا والبيئة والتنمية المستدامة، بدلًا من الانشغال بالخلافات السطحية.
كيف يمكن للجامعات مواكبة هذا التطور؟
من خلال تطوير المناهج الدراسية، واستحداث تخصصات تجمع بين الإعلام والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعاون مع مؤسسات إعلامية لتوفير تدريب عملي للطلاب
كما يجب تطوير مهارات أعضاء هيئة التدريس، والانفتاح على التجارب العالمية، والمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الإعلامية.
هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإعلام؟
بالتأكيد، لكن التحدي الأكبر سيكون في الحفاظ على المصداقية، خاصة مع تطور تقنيات التزييف العميق، التي تجعل من الصعب التمييز بين الحقيقي والمزيف.
لذلك نحن بحاجة إلى أدوات تقنية للكشف، إلى جانب التوعية المجتمعية من خلال الإعلام والتعليم.
ما أهم المهارات المطلوبة للعمل في الإعلام الرقمي؟
من أهمها فهم أدوات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على استخدام التطبيقات المرتبطة بإنتاج وتعديل المحتوى، بالإضافة إلى مهارات كتابة الأوامر للحصول على أفضل النتائج.

كيف ترين دور الإعلام الرقمي في تشكيل الوعي؟
الإعلام الرقمي قادر على تشكيل وعي المجتمع بشكل كبير، سواء بشكل إيجابي أو سلبي، خاصة مع دور الخوارزميات التي تحدد ما نراه بناءً على اهتماماتنا.
ما الفرق بين صانع المحتوى والإعلامي؟
في الواقع، كل إعلامي هو صانع محتوى، لكن الفارق يكمن في المهنية والالتزام بالمعايير الإعلامية.
ما أكثر ما يسعدك في عملك الأكاديمي؟
أكثر ما يسعدني هو مشاهدة نتاج عمل الطلاب، سواء في العروض البحثية أو الإنتاج الإعلامي، حيث أشعر حينها بثمرة الجهد المبذول.
هل هناك موقف إنساني أثّ فيك؟
أكثر ما يؤثر في هو استمرار تواصل الطلاب بعد التخرج، ونجاحهم في حياتهم المهنية، وعودتهم لنقل خبراتهم لزملائهم.
كيف توازنين بين العمل الأكاديمي والإعلامي؟
لا أراه توازنًا بقدر ما هو تكامل، فالبحث العلمي هو الأساس لكل ما أقدمه، سواء في التدريس أو الإعلام.
ما حلمك في مجال الإعلام الرقمي؟
أتمنى أن يكون لدينا حضور عربي قوي على المنصات العالمية، وأن نقدم محتوى يعبر عن هويتنا وثقافتنا ويصل إلى جمهور عالمي

ما رسالتك للشباب؟
أن يقدموا محتوى هادف، ويهتموا بالرسالة والجمهور، مع تطوير مهاراتهم التقنية باستمرار، لأنهم بالفعل جيل يمتلك أدوات قوية.
وفى النهاية نشكر د/ سارة فوزى أستاذ الإعلام الرقمى بجامعة القاهرة على هذا الحوار الرائع.
وتبقى الدكتورة سارة فوزي مثالًا يحتذى به لكل من يسعى لأن يكون للعلم معنى، وللكلمة قيمة، وللحضور أثر لتؤكد أن النجاح الحقيقي ليس في الوصول فقط، بل في القدرة على التأثير، والاستمرار، وصناعة فرق يستمر حتى بعد انتهاء الحكاية.




