بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما نبحث في دفاتر الحوادث، لا نفتش عن خبايا الجريمة بدافع الفضول، بل نتأمل بأسى تلك اللحظات الخاطفة التي يلتهم فيها الغدر أحلاماً طال انتظارها. ما أصعب أن تطوى صفحة الحياة في قمة توهجها، وأن تتحول زغاريد الفرح بين ليلة وضحاها إلى صرخات عويل تشق صدور الأمهات. في لحظة طيش وغضب أعمى، قد تدمر نوبة عنف عابرة حياة أسرة بأكملها، وتسرق من بين أيدينا أرواحاً نقية لم تعرف سوى السيرة الطيبة وحسن الخلق وسط الناس.
هذا الكابوس الحقيقي استيقظت عليه مدينة نبروه، لتهتز أركانها حزناً على رحيل الشاب “محمد أحمد الشافعي”، الذي كان يسابق الزمن ويعد الأيام والساعات شوقاً لليلة العمر. كان محمد يضع لمساته الأخيرة على أحلامه، ويفصله عن زفافه أسابيع قليلة ومعدودة؛ حيث حدد يوم 12 يوليو ليكون موعداً ليرتدي فيه بدلة عُرسه ويرسم بداية لمستقبل جديد رفقة من يحب، لكن القدر المخبأ في نفوس البشر كان يحمل له نهاية موجعة لم يتوقعها أحد.
تفاصيل الواقعة المؤلمة بدأت عندما خرج محمد من بيته كعادته، دون أن يعلم أنه الوداع الأخير. وفي منطقة “أرض الإمبابي”، اندلع خلاف مفاجئ، لم يكن محمد يدرك أن عواقبه ستكون غالية إلى هذا الحد. وبحسب ما تم تداوله، فقد انتهى المشهد بمقتله غدراً؛ لتسقط أحلام العريس الشاب مضرجة بالدماء على أرصفة الشارع، وتنطفئ ضحكته التي شهد له بها الجميع قبل أن يزف إلى عروسه.
الأكثر ألمًا ومرارة في هذه الفاجعة، هو حال عائلة كانت تفرش الدار بالورود والبهجة وتستعد لاستقبال المهنئين، فإذا بها تتلقى الخبر الفاجع لتستقبل جثمان ابنها البكر. وأم مكلومة كانت تجهز ثياب زفافه وترتب تفاصيل ليلته الكبرى، فإذا بها تجد نفسها تقف وراء نعشه، تودعه بالدموع الحارقة والدعوات، زافةً إياه إلى قبره بدلاً من عش الزوجية.
رحل محمد الشافعي تاركاً خلفه غصة لن ترحل، وحزناً خيم على قلوب أهله وأبناء مدينته، ليعيد رحيله المفجع طرح تساؤلات تدمي القلوب حول خطورة العنف والاستسلام للغضب الذي بات ينهي حياة الأبرياء في لمحة بصر.
ومع تحول دفة الفرح بنبروه إلى سرادق عزاء مفتوح، وإعلان أصدقائه أن عريسهم بات “عريساً في الجنة”، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن:
إلى متى يظل الغضب الأعمى وسيلة لفض الخلافات في شوارعنا، وكيف يمكن للحظة طيش أن تسرق فرحة العمر من قلب أم، لتترك مجتمعاً بأكمله يفتش عن الأمان مذهولاً من هول الصدمة؟
