بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تنفجر قضايا الرأي العام من رحم منصات التواصل الاجتماعي، فإنها لا تقف عند حدود المشاهدات والتفاعل، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى قضايا إنسانية عاجلة تستدعي تدخل كافة الأطراف لاستجلاء الحقيقة. في غمرة المأساة التي يعيشها الشاب “عمرو عبد الحكيم عمارة”، ابن مركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، تحولت صرخته الرقمية إلى قضية عامة حركت المياه الراكدة وأخرجت تفاصيلها الصادمة إلى العلن.
فبعد ساعات قليلة من تداول فيديو الاستغاثة المأساوي للطالب بكلية الحاسبات والمعلومات، والذي أحدث صدمة مدوية بين أسرته وأهالي مركز أبو كبير، أعلن النائب اللواء عبد الله لاشين، عضو مجلس النواب عن دائرة أبو كبير وههيا، تدخله الفوري ومتابعته الشخصية للقضية. ولم يقتصر التدخل على التعاطف الشفهي، بل أعلن النائب عن تشكيل فريق من المحامين المتطوعين برئاسة المستشار السيد لاشين، لدراسة كافة تفاصيل القضية والوقوف على حقيقة الوقائع المتداولة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بما يضمن تحقيق العدالة، مع التأكيد القاطع على الثقة الكاملة في نزاهة وعدالة القضاء المصري الشامخ.
هذا التحرك البرلماني والقانوني يأتي بعد تفجر تفاصيل الكابوس الذي يواجه الشاب الجامعي؛ حيث أسدل الستار قضائياً بصدور حكم صاعق بالسجن لمدة 25 عاماً (المؤبد) في قضية اتجار بالمواد المخدرة، وهي القضية التي يؤكد عمرو بيقين تام أنه لا ناقة له فيها ولا جمل، وأن مستقبله بات مهدداً بالضياع بسبب ثقة عمياء و”خدمة بسيطة” قدمها لصديق.
الخيوط المأساوية بدأت حينما طلب أحد الأصدقاء من عمرو وأصدقائه صور بطاقاتهم الشخصية، مبرراً ذلك بحاجة شقيقته التي تعمل بإحدى شركات الاتصالات إلى تحقيق “التارجت” المطلوب منها في العمل، وذلك عبر استخراج خط هاتف باسم كل منهم. انقاد الشباب وراء شهامتهم لمساعدة صديقهم، لكنهم استيقظوا لاحقاً على مفاجأة مرعبة؛ إذ لم يقتصر الأمر على خط واحد، بل تم استخراج عدة خطوط بأسمائهم دون علمهم أو موافقتهم.
الكارثة تجسدت حينما انتقلت هذه الخطوط إلى يد أحد التجار، واستُخدم الخط المسجل باسم عمرو تحديداً في تواصل يتعلق بشحنة مخدرات كبرى تم ضبطها في محافظة السويس، كانت مخبأة بذكاء داخل شحنة بصل. وأمام جهات التحقيق، أفاد سائق الشاحنة المضبوطة بأن صاحب الشحنة والممول هو الشخص الذي كان يتواصل معه عبر هذا الخط المسجل باسم الطالب؛ ليجد عمرو نفسه فجأة في مواجهة اتهامات رسمية بامتلاك مزرعة بصل والاتجار في المواد المخدرة، دون أن يدري عن الأمر شيئاً.
الحكم صدر غيابياً ضد الشاب، ولم يعلم بوجوده إلا بعد مرور عام ونصف كاملة. وأمام هذا الواقع المرير، وبدلاً من الاختباء، اتخذ عمرو قراراً شجاعاً بتسليم نفسه طواعية لإعادة إجراءات محاكمته، مدفوعاً بثقته الكاملة في براءته، ومستغيثاً بالرئيس لفتح تحقيق يستجلي حقيقة تلك الخطوط المزورة، خاصة بعد أن رفضت الفتاة المسؤولة عن استخراج الخطوط الاعتراف بمسؤوليتها أمام جهات التحقيق لحماية نفسها.
نحن هنا لا نعترض على أحكام القضاء؛ فالقضاء يحكم دائماً وفق ما يُعرض أمامه من أدلة صامتة ومستندات رسمية مدونة، ولكننا نسلط الضوء على فخ أخلاقي وقانوني مرعب يتسلل لبيوتنا ويهدد أبناءنا تحت ستار المساعدة والشهامة.
ومع بدء معركة الدفاع القانونية الجديدة لإنقاذ مستقبل طالب الحاسبات والمعلومات، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن:
هل تنجح التحقيقات الجديدة وفريق المحامين في تفكيك طلاسم “فخ التارجت” وإثبات التزوير الإلكتروني لتنتصر روح العدالة، أم ستظل الأوراق الرسمية الصامتة أقوى من صرخات البراءة خلف القضبان؟
