بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تتجرد أقدس المشاعر الإنسانية من محتواها، وتتحول القلوب التي يُفترض أن تكون مصدراً للأمان إلى سراديب من القسوة والظلام، نقف مذهولين أمام قصص تقشعر لها الأبدان، ضحيتها براءة لا تملك من أمرها شيئاً. فما بالك إذا كان الجلاد هو “الأب”، والمكان هو “عش الزوجية” الذي تحول إلى سجن موحش، والأدوات هي “السلاسل والجوع والخوف”؟!
هذا الكابوس الحقيقي الصادم، شهدت فصوله المأساوية محافظة كفر الشيخ، لتستيقظ على وقع فاجعة إنسانية يندى لها الجبين، كشفت تفاصيلها طفلة شجاعة نجت بأعجوبة من ظروف لا تطاق، لتنبش في ملف عام كامل من المعاناة الوحشية التي عاشتها هي وشقيقتها، “ريم ورانسي”، فوق سطح منزل والدها.
المأساة لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت فصولها الأولى قبل نحو 10 سنوات، حينما خطف الموت أمهما، تاركاً إياهما يواجهان غدراً لم يحسبا له حساباً. تزوج الأب من سيدة أخرى، ووفقاً للتحريات الأولية، بدأت حياة الطفلتين البريئتين تتآكل منذ ذلك الحين، لتتحول من لحظات حزن طبيعية على فراق الأم، إلى سلسلة لا تتوقف من الانتهاكات والمعاناة اليومية التي تفوق طاقة أي طفل.
لكن الكارثة تجسدت بأبشع صورها حينما قرر الأب وزوجته تحويل سطح المنزل المهجور إلى زنزانة قهر. وكشفت المعلومات المرعبة أنهما قاما باحتجاز الطفلتين أعلى السطح، حيث عاشتا في ظروف معيشية بالغة القسوة واللاإنسانية طوال عام كامل! وتحت رحمة قسوة قلوبهما، تعرضت الصغيرتان للتقييد بالسلاسل، واحتجزتا فوق السطح المكشوف منذ أيام عيد الأضحى المبارك—الذي يمثل عيداً للفرحة عند بقية الأطفال—بينما كانا يكتفيان بتقديم رغيف خبز واحد يومياً لكل منهما، مع منعهما القاطع من التواصل مع أي فرد من أسرة والدتهما الراحلة.
غير أن إرادة الحياة كانت أقوى من قيود الحديد والجوع؛ ففي لحظة فارقة، وأثناء اصطحاب إحدى الطفلتين لقضاء حاجتها، وفك قيودها لفترة وجيزة، استغلت الهروب لحظة غفلة، وفرت مسرعة عابرة الأراضي الزراعية لمسافة تقترب من 4 كيلومترات، وهي تركض بقدمين داميتين وقلب يرتجف، حتى وصلت إلى منزل أقارب والدتها وهي تستغيث طالبة النجدة.
وهناك، فوق عتبة الأمان، روت الطفلة الناجية تفاصيل صادمة ومرعبة عما تعرضت له هي وشقيقتها المحتجزة، لتثور ثائرة الأسرة، ويتوجهوا على الفور لقسم الشرطة لتحرير بلاغ عاجل بالواقعة الجسيمة. وعلى الفور، انتقلت الأجهزة الأمنية لمكان الاحتجاز، وتم إنقاذ الطفلة الثانية التي كانت لا تزال ترزح تحت وطأة السلاسل، وجرى ضبط الأب وزوجته، قبل إحالتهما إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات للوقوف على كافة ملابسات الواقعة.
لقد جرى نقل الطفلتين “ريم ورانسي” إلى المستشفى فوراً لتلقي الرعاية الطبية العاجلة ومتابعة حالتهما الصحية المتدهورة جراء الجوع والقيود النفسية والجسدية.
إن هذه القصة المؤلمة لم تحرك المشاعر فحسب، بل أثارت حالة واسعة من الغضب والتعاطف الجارف بين الأهالي في كفر الشيخ وعموم مصر، وسط دعوات لا تتوقف بأن تنال الطفلتان الرعاية النفسية والجسدية المكثفة، وأن تجدا الحياة الآمنة والكريمة التي حُرمتا منها لسنوات، وأن يضرب القانون بقوة على يد كل من تجرأ على البراءة.
ومع نجاة ريم ورانسي من جحيم السطح، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على ضمير كل منا الآن:
إلى متى تظل أجساد الأطفال مسرحاً لأبشع صنوف العنف الأسري، وكيف يمكن لمجتمع بأكمله أن ينام ملء جفنيه بينما هناك أنات براءة لا تزال تصرخ خلف جدران الخوف والسلاسل؟
