حوار محمد أكسم
منذ طفولتها، كانت علاقتها بالحضارة المصرية القديمة أشبه بحكاية عشق لا تعرف بدايتها, لم تنظر إلى الملوك والملكات باعتبارهم أسماءاً محفوظة في كتب التاريخ، بل رأت فيهم بشراً عاشوا، وحلموا، وخافوا، وأحبوا، وصنعوا حضارة ما زالت تبهر العالم حتى اليوم.
ومن هنا جاءت فرادة مشروعها الثقافي، الذي يقوم على إعادة اكتشاف الإنسان المصري القديم، وإخراجه من صفحات التاريخ الجامدة إلى فضاء الأدب والسرد والدراما والمعرفة المبسطة.
هناك أشخاص يدرسون التاريخ، وهناك من يهبونه حياة جديدة, وسهيلة عمر الرملي تنتمي إلى الفئة الثانية, فهي لم تكتفى بأن تكون باحثة أثرية تحمل شهادات أكاديمية، بل اختارت أن تكون صوتاً معاصراً للحضارة المصرية، وأن تعيد تقديمها للأجيال بلغة تجمع بين دقة العلم وسحر الحكاية.
تجمع سهيلة بين عقل الباحثة المدققة، وخيال الكاتبة المبدعة، وشغف الحكاءة التي تعرف كيف تحول النقوش الصامتة إلى أصوات تنبض بالحياة.
سهيلة تمتلك ذكاءاً بحثياً فريداً، وقدرة استثنائية على الربط بين المعلومة العلمية والسرد الأدبي، فتقدم التاريخ بلغة تصل إلى العقل والقلب معًا، دون أن تفقد دقتها الأكاديمية أو رسالتها الثقافية.
ورغم ما حققته من نجاحات في البحث الأثري والكتابة، وما قدمته من كتب وروايات وموسوعات وبرامج وإذاعات ومحاضرات، فإن أكثر ما يميزها هو إيمانها العميق بأن حماية الحضارة لا تبدأ داخل المتاحف، بل داخل وعي الإنسان، وأن الطفل الذي يعرف تاريخ أجداده اليوم، هو المواطن الذي سيدافع عن هويته غداً.
لذلك كرست جزءاً كبيراً من جهدها لنشر الثقافة الأثرية بأساليب مبتكرة، مؤمنة بأن المعرفة الحقيقية يجب أن تصل إلى الجميع، لا أن تبقى حبيسة القاعات الأكاديمية.
كما تلفت سهيلة الانتباه بحضورها الراقي وشخصيتها الأنيقة التي تعكس احترامها لتاريخها وهويتها، فتجمع بين شياكة المظهر ورقي الفكر، وبين الطموح الذي لا يعرف التوقف والتواضع الذي يزيدها قرباً من قلوب الناس, إنها واحدة من الوجوه الثقافية الشابة التي تحمل مشروعاً واضحاً، وتسير بخطوات واثقة نحو تقديم الحضارة المصرية للعالم بعيون مصرية، وبخطاب علمي حديث، بعيداً عن التكرار والتلقين.
في هذا الحوار، نقترب من سهيلة عمر الرملي كما لم يعرفها كثيرون, الباحثة التي تعشق الاكتشاف، والكاتبة التي تمنح التاريخ روحًا جديدة، والإنسانة التي تؤمن بأن الحضارات العظيمة لا تعيش بالحجارة وحدها، بل بمن يحسن رواية حكاياتها للأجيال القادمة.
فى البداية نرحب بالكاتبة والباحثة سهيلة الرملي آهلا بكم فى موقع جريدة المصور نيوز.

من هي سهيلة عمر الرملي بعيدًا عن الألقاب الأكاديمية والجوائز؟
بعيدًا عن الألقاب والجوائز، أنا ببساطة بنت بتحب الحكايات، ويمكن أعيش في الخيال أكتر مما أعيش في الواقع. أحب الاستكشاف، لكن بطريقتي الخاصة؛ بهدوء شديد، ولا أميل إلى كثرة الأسئلة، وإنما أحب أن أراقب وأربط التفاصيل ببعضها وأصل إلى استنتاجاتي بنفسي.
أما علاقتي بالحضارة المصرية القديمة، فهي حكاية بدأت معي منذ الطفولة بشكل غريب، وحتى الآن لا أعرف بالضبط سرها. بالتأكيد الحضارة المصرية مبهرة جدًا، لكن في حالتي لم يكن الأمر مجرد انبهار؛ كان هناك نوع من التناغم أشعر به تجاهها، وكأن بيني وبينها شيئًا لا أعرف كيف أفسره.
كنت أشعر، حتى قبل أن أدرس الآثار، أنني أعرف عنهم الكثير، وكأن هناك شيئًا بداخلِي كان يعرفهم من قبل أن أفتح كتابًا واحدًا عنهم. ربما لهذا لم أشعر يومًا أنني أدرس الحضارة المصرية القديمة بقدر ما شعرت أنني أكتشف شيئًا كان قريبًا مني منذ البداية.
لماذا اخترتِ الآثار المصرية تحديدًا، وما أول لحظة شعرتِ فيها أن التاريخ سيكون مشروع حياتك؟
الآثار المصرية لم تكن اختيارًا بالمعنى التقليدي، وإنما كانت أشبه بنداء ظل يلاحقني حتى استجبت له. كنت طالبة غير متفوقة بالمعنى التقليدي في المدرسة، والحقيقة أن التفوق الدراسي لم يكن يشغلني كثيرًا؛ كل ما كنت أريده هو أن أنهي سنوات الدراسة دون مشاكل. لم أكن أشعر بمتعة خاصة تجاه الدراسة، ولا بحب أو كراهية لأي مادة، باستثناء التاريخ، وبالأخص عندما كان الحديث عن المصريين القدماء. وقتها كنت أشعر بشيء مختلف تمامًا.
وفي الثانوية العامة، وللمفارقة، التحقت بشعبة علمي علوم بسبب حبي الشديد لمادة الأحياء واهتمامي بفكرة البحث العلمي، لكنني كما قلت، لم أكن من محبي المذاكرة، ولذلك لم أحصل على مجموع كبير في عام 2014، وهو العام الذي أطلق عليه البعض “سنة الورق الملون”.
كنت أحب الفن والتمثيل أيضًا، ولذلك فكرت في الالتحاق بمعهد التمثيل، لكن مجرد طرح الفكرة في مجتمعي وقتها كان يمثل نوعًا من المخاطرة، فاحتفظت بها لنفسي ولم أتحدث عنها كثيرًا.
ولست نادمة على مجموعي أو على أي شيء حدث في تلك المرحلة؛ لأنني أؤمن أن بعض الطرق التي نعتقد أنها أُغلقت في وجوهنا تكون في الحقيقة هي التي تقودنا إلى الطريق الصحيح. ويشاء السميع العليم أن أُقبل في كلية الآثار بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وهناك شعرت أنني أخيرًا لبيت النداء الذي ظل بداخلي منذ الطفولة.
اخترتِ أن تحولي النقوش والمومياوات إلى قصص إنسانية.. من أين جاءت فكرة “أنسنة التاريخ”؟
جاءت الفكرة من رغبتي في كسر النمط الأكاديمي الجاف الذي وضع أجدادنا في إطار “التاريخ الميت”، وحولهم إلى أسماء وتواريخ نحفظها ثم ننساها.
أنا أؤمن أن أنسنة التاريخ تبدأ من أن نراهم بشرًا قبل أن نراهم ملوكًا أو فراعنة؛ بشرًا لديهم مشاعر ومخاوف وطموحات وقرارات، عاشوا تفاصيل الحياة مثلنا تمامًا، وإن اختلف الزمن.
فعندما أتحدث عن خوفو مثلًا، لا أريد أن أراه فقط باعتباره صاحب الهرم الأكبر، وإنما كإنسان وملك عاش وسط تحديات سياسية وإنسانية، واتخذ قرارات، وواجه أزمات، وربما عرف الخوف والطموح والقلق مثل أي حاكم أو إنسان.
والأثر بالنسبة لي ليس مجرد حجر أو نقش صامت، بل وثيقة إنسانية تحمل ذاكرة شعب كامل. كل نقش يمكن أن يخبرنا شيئًا عن صاحبه، وكل مقبرة تحمل حكاية، وكل مومياء كانت في يوم من الأيام إنسانًا له اسم وحياة وأحلام وأشخاص أحبهم وأحبوه.
لذلك أحاول أن أعيد للتاريخ صوته الإنساني، وأن أنقله من صفحات الكتب إلى مساحة الحكاية. فعندما نرى أجدادنا كبشر يشبهوننا في مشاعرهم، يصبح التاريخ أقرب إلينا، وتتحول الحضارة من مجرد آثار نُعجب بها إلى تجربة إنسانية نشعر أننا جزء من امتدادها.

عندما تقفين أمام تمثال أو مومياء، هل تنظرين إليها كباحثة أم ككاتبة تبحث عن بطل لرواية جديدة؟
أنظر إليها أولًا كإنسان لم يكمل حديثه بعد. أحاول أن أتخيل تعبيرات وجهه، ونبرة صوته، وطريقة مشيه، والقرارات التي اتخذها، وما الذي كان يخشاه أو يحلم به. بالنسبة لي، التمثال أو المومياء ليسا مجرد أثر صامت، وإنما شخص توقفت حكايته عند نقطة ما، وأنا أحاول أن أستكمل ما يمكن أن تخبرني به التفاصيل.
والطريف أنني كنت أسجل هذه الملاحظات والانطباعات منذ أيام الجامعة، دون أن أعرف لماذا أفعل ذلك، ولم أكن أتخيل وقتها أنني سأستخدمها يومًا في الكتابة؛ فقد لم أكن أعرف أصلًا أنني سأصبح كاتبة. ربما كانت الباحثة بداخلي تجمع التفاصيل دون أن تعرف أن الكاتبة ستحتاج إليها يومًا ما.
هل تعرضت شخصيات مصرية قديمة لظلم كبير في كتب التاريخ؟
نعم، وبشدة. أحيانًا يتم اختزال ملوك وملكات عظماء في معركة واحدة أو لوحة أو موقف محدد، بينما تختفي خلف ذلك تفاصيل كثيرة من إنجازاتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكأن الإنسان يمكن اختزاله في سطر واحد من التاريخ.
والتاريخ في بعض الأحيان يكتبه المنتصر، وأحيانًا يعاد تفسيره من وجهة نظر لا تفهم بالضرورة خصوصية الروح المصرية وطبيعة المجتمع الذي عاش فيه هؤلاء الأشخاص. لذلك أرى أن مهمتنا اليوم هي إعادة قراءة تاريخنا بعيون مصرية، والاستناد إلى الأدلة والمصادر العلمية، ومحاولة إنصاف ملوكنا وملكاتنا بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
وللأسف، ما زلنا في بعض الأحيان نتعامل مع بعض الآراء الأجنبية باعتبارها المرجع النهائي، ثم نعيد ترديدها دون دراسة أو مراجعة كافية. أنا لا أرى المشكلة في الاستفادة من الدراسات الأجنبية، فهي جزء مهم من البحث العلمي، وإنما المشكلة أن نكتفي بها وألا نمتلك نحن أيضًا قراءتنا وأبحاثنا وأسئلتنا الخاصة. الحضارة المصرية ملك للإنسانية، لكن من حق المصريين أن يشاركوا بقوة في كتابة تاريخها وفهمه وتقديمه للعالم
.
اذا أُتيح لكِ أن تتحاوري مع أحد ملوك أو ملكات مصر القديمة، فمن ستختارين؟ وما أول سؤال ستوجهينه إليه؟
سؤال محير جدًا، لكن ربما أختار الملك حور محب، أحد ملوك الدولة الحديثة, ما يشغلني في قصته هو الفترة المضطربة التي جاءت بعد وفاة توت عنخ آمون وهو لا يزال صغيرًا، وما صاحبها من فراغ في الحكم واضطراب سياسي. في تلك الفترة اتخذت عنخ إس إن آمون، زوجة توت عنخ آمون، قرارًا جريئًا بإرسال رسالة إلى ملك مملكة ميتاني تطلب فيها الزواج من أحد أبنائه ليصبح حاكمًا لمصر، وهو أمر شديد الاستثنائية في ذلك السياق.
وكان حور محب قائدًا للجيش، وقد تعامل مع الأمر باعتباره خطرًا على مصر، فقتل الأمير الذي أُرسل إليها
لذلك سيكون سؤالي له من أين جاءت تلك الجرأة الكبيرة؟ وكيف اتخذت قرارًا بهذه الخطورة دون أن تخشى عواقبه، أو أن يؤدي الأمر إلى حرب مع ميتاني أو حتى إلى تهديد مباشر لك؟
هذا الموقف بالنسبة لي مثير جدًا؛ لأنه يكشف جانبًا سياسيًا وإنسانيًا معقدًا من شخصية حور محب، ويجعلني أتساءل عن دوافعه الحقيقية خلف القرار.

حدثينا عن كتاب “را أن كمت”.. أثار اهتمامًا واسعًا داخل مصر وخارجها، فما سر هذا النجاح في رأيك؟
بعد فضل الله وكرمه، أعتقد أن أحد أسباب نجاح الكتاب أنه مكثف وصغير نسبيًا، ويقدم خلاصة المعلومات دون حشو، في صورة مقالات قصيرة ومتنوعة. يستطيع القارئ أن يتعرف من خلاله على جوانب مختلفة من حياة المصري القديم, من الأزياء والزواج وصناعة الألوان إلى التحنيط والأدب وغيرها من التفاصيل، دون أن يشعر أنه أمام مادة صعبة أو يحتاج إلى مجهود كبير لفهمها.
كنت أريد أن أقدم المعرفة الأثرية بطريقة تجعل القارئ يشعر أنه تعلم الكثير دون أن يشعر بثقل الدراسة، وربما هذه هي المعادلة التي وصلت إلى الناس.
لماذا اتجهتِ إلى الرواية بعد الكتب البحثية؟
في الحقيقة، بدأت كتابة الرواية في فترة لم أكن فيها في أفضل حالاتي النفسية، خاصة أن أفكاري البحثية كانت تصطدم أحيانًا ببعض الجهات التي ما زالت تنظر إلى الباحث الأثري الحر باعتباره أمرًا غير مألوف.
في الخارج، من الطبيعي أن تكون للباحث وجهة نظر وطرح علمي مستقل، ويحاسب على قوة ما يقدمه من علم، وليس على سؤال: أنت تابع لأي جامعة؟ ومن هو أستاذك؟
مع كامل احترامي للوسط الأكاديمي ودوره، لكن العصر تغير، وأصبحت هناك مساحات جديدة للبحث والمعرفة.
وجدت أن الرواية تمنحني مساحة من الحرية لا تمنحها
الأبحاث الأكاديمية الصارمة في رواية “ورثة تحوت” مثلًا، أستطيع أن أمزج بين السحر والحكمة والدراما، وأن أصل إلى قلب القارئ وعقله الباطن بطريقة قد لا تستطيع المراجع الجافة أن تفعلها.
الرواية بالنسبة لي كانت مساحة للطيران، دون أن أفقد الأرض العلمية التي أنطلق منها
الموسوعة المكونة من 20 كتيبًا تبدو مشروعًا مختلفًا تمامًا.. كيف ولدت الفكرة؟
بعد أن انتهيت من الرواية وقبلت للنشر، بدأ العمل عليها مع دار النشر، واقترح فريق الدار التعاون معي في مشروع ثقافي أثري مختلف بدأت الأفكار تتوالى حتى ظهرت فكرة موسوعة “اتكلمي”
في البداية شعرت بالخوف من حجم المشروع، وكدت أتراجع، لكنني تذكرت سنوات طويلة قضيتها في جمع المعلومات عن الملوك والملكات، وأدركت أن الوقت قد حان للاستفادة منها, كما أنني مؤمنة بأن حماية الحضارة تبدأ من استرداد الوعي.
أردت أن أفكك التاريخ إلى شخصيات حية, من نعرمر وزوسر إلى حتشبسوت وتوت عنخ آمون وغيرهم، بحيث يتحدث كل ملك وملكة عن نفسه بلسان إنساني، وليس فقط من خلال التواريخ والإنجازات. أردت أن تصبح الموسوعة أشبه بحوار ممتد بين الأجيال
ما أصعب شخصية كتبتِ عنها حتى الآن؟ ولماذا؟
كل شخصية لها صعوبتها الخاصة، لكن أعتقد أن إخناتون كان من أكثر الشخصيات تحديًا بالنسبة لي؛ لأنه شخصية مركبة جدًا، تتداخل فيها الروحانية مع السياسة، والغموض مع الثورة الفكرية. الكتابة عنه تحتاج إلى قدر كبير من الحذر حتى لا أنحاز إلى صورة مسبقة، وإنما أحاول الوصول إلى الإنسان الموجود خلف القناع التاريخي.
ورمسيس الثاني له صعوبة مختلفة؛ فالتحدي بالنسبة لي كان في محاولة فهم مخاوفه ودوافعه النفسية، وأسباب زيجاته الكثيرة وكثرة أبنائه، وكذلك تفكيك شخصيته وطريقة حكمه وعلاقته بنفرتاري. أنا لا أريد فقط أن أكتب ماذا فعل هؤلاء الملوك، وإنما لماذا فعلوه.
إلى أي مدى اعتمدتِ على كتابات سليم حسن وعبد الحليم نور الدين وغيرهما من المراجع العلمية؟
هذه المراجع بالنسبة لي هي الأساس الفولاذي الذي لا يمكن الاستغناء عنه. كتابات علماء كبار مثل الدكتور سليم حسن والدكتور عبد الحليم نور الدين تمنحني الأرضية العلمية التي أتحرك عليها، سواء في كتبي أو رواياتي أو البودكاست.
وللدكتور سليم حسن مكانة خاصة جدًا في حياتي؛ فقد كان أحد الأسباب الأولى لحبي للآثار. كانت موسوعته الشهيرة موجودة في مكتبة جدي، رحمه الله، وكان يقرأ لي منها وأنا طفلة، ولذلك ارتبط اسمه في داخلي بالطفولة وبداية علاقتي بالحضارة المصرية.
أما الدكتور عبد الحليم نور الدين، رحمه الله، فقد تشرفت بأن يكون أستاذي في السنة الأولى بكلية الآثار، وكان وقتها عميد الكلية، وكنت آخر دفعة درس لها. كنت أحبه كثيرًا، لأنه لم يكن عالمًا كبيرًا فقط، وإنما كان حكّاءً جميلًا أيضًا، وكان يمتلك قدرة رائعة على تحويل المعلومة إلى قصة.
بحثكِ عن الاستمرارية الجينية للمصريين أثار اهتمامًا كبيرًا.. ما أهم النتائج التي توصلتِ إليها؟
هذا ملف علمي وطبي في الأساس، ولذلك أحرص دائمًا على التفريق بين ما هو بحث علمي وما هو كلام متداول.
ما دفعني إلى طرح الموضوع هو انتشار فكرة أن الشخص يمكن أن يجري تحليلًا تجاريًا للحمض النووي ثم يقال له إنه “80% أو 90% مصري”، وهذه صياغات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة علمية نهائية.
أما ما تناولته في طرحي، فهو ما توصلت إليه دراسات وبحوث علمية مصرية حول الاستمرارية الجينية، وما أشارت إليه بعض النتائج البحثية من وجود مكون وراثي موروث من المصريين القدماء, والموضوع في حد ذاته شديد التعقيد، لأن آلاف السنين شهدت هجرات واحتلالات وزيجات وتغيرات سكانية متعددة
ما يهمني هو أن يكون النقاش قائمًا على نتائج الأطباء والباحثين، وليس على نسب عشوائية أو ادعاءات منتشرة في الإعلام ووسائل التواصل. أنا لا أقدم نفسي كطبيبة أو متخصصة في علم الجينات، وإنما أطرح ما تقوله الدراسات العلمية وأفتح باب النقاش حوله.
قدمتِ برامج إذاعية وبودكاست ومحاضرات للأطفال.. لماذا تعتبرين الطفل نقطة البداية في بناء الوعي الأثري؟
لأن الطفل هو الذي سيحمي هذه الآثار غدًا. إذا نشأ الطفل وهو يرى الملك المصري القديم باعتباره “جدًا له” وليس مجرد تمثال في كتاب المدرسة، فسوف يكبر وهو يمتلك حصانة أكبر ضد أي محاولة لتزييف هويته أو التقليل من قيمة تاريخه
الوعي يبدأ من الطفولة، ومن هنا تبدأ حماية الهوية. ولأنني واجهت في بعض الأحيان صعوبات مع بعض الجهات، أصبحت أقدم جانبًا كبيرًا من أنشطتي بإنتاجي الخاص، لأنني مؤمنة بأن هذه الرسالة تستحق أن تستمر، وألا تتوقف على وجود جهة أو مؤسسة
برأيكِ.. لماذا ما زالت الحضارة المصرية القديمة قادرة على إلهام العالم حتى اليوم؟
لأنها حضارة قامت على مفهوم “الماعت”؛ أي العدل والتوازن والنظام الكوني، ولأنها خاطبت أسئلة إنسانية كبرى تتجاوز الزمن، مثل الحياة والموت والخلود والعدالة.
وأعتقد أن المصري القديم كان بارعًا في صناعة ما يمكن أن نسميه “الغموض المقدس”,ترك وراءه أسئلة كثيرة، وكلما ظن العالم أنه اكتشف سرًا ظهرت أسئلة جديدة. وربما لهذا السبب تحديدًا لا تنتهي الدهشة أمام الحضارة المصرية، ولا يفقد سحرها تأثيره مهما مر الزمن
كيف تبدو يوميات سهيلة عمر الرملي بين البحث والكتابة والمحاضرات؟
هي يوميات تشبه إلى حد كبير التخطيط الاستراتيجي؛ فيها عزلة الباحث والكاتب وسط الكتب والمراجع، وفيها أيضًا الاحتكاك بأشخاص مختلفين، من الباحثين إلى الأطفال والجمهور.
أحب أن أستمع إلى الناس وأفهم وجهات نظرهم، وأحيانًا أكون بينهم مجرد متلقية لا متحدثة. وفي الوقت نفسه هناك جانب آخر من يومي يتعلق بصناعة المحتوى الذي يجب أن يصل إلى الناس ويخدم الرسالة التي أؤمن بها.
بمعنى أدق، حياتي محاولة مستمرة لتحقيق توازن بين الصمت والكلام، وبين البحث والتواصل.
هل تشعرين أن الجوائز والتكريمات مسؤولية أكبر من كونها احتفاءً بالنجاح؟
بالتأكيد. التقدير والاحتفاء شعور جميل وأسعد به، لكن بالنسبة لي هناك تكريم أكبر وأكثر أهمية، وهو أن أرى تأثير ما أقدمه في الوعي الجمعي.
أن أجد شخصًا أصبح أكثر اهتمامًا بتاريخه، أو طفلًا أحب حضارته بسبب حكاية سمعها مني، فهذا بالنسبة لي أكبر تكريم.
أتمنى أن أستطيع، بإذن الله، أن أترك هذا الأثر الخفي الذي لا يظهر في شهادات التكريم، لكنه يبقى في وعي الناس.
هل تفكرين في تحويل أعمالك إلى أفلام أو مسلسلات أو أعمال مسرحية؟
نعم، وهذا أحد مشروعاتي القادمة. أرى أن رواية مثل “ورثة تحوت”، و”موسوعات الملوك والملكات”، تحمل في داخلها كادرات بصرية ودرامية يمكن أن تتحول إلى أعمال سينمائية أو درامية قوية.
الدراما والسينما اليوم من أقوى الوسائل للوصول إلى الجمهور العالمي، ولذلك أحلم بتحويل موسوعة اتكلمي المكونة من 20 جزءًا إلى سلسلة درامية أو عمل أنيميشن عالمي يعرض على المنصات الدولية، بأصوات وإنتاج مصري خالص، حتى يرى العالم حضارتنا بعيوننا نحن، لا من خلال روايات الآخرين فقط.
شخصية مصرية قديمة تشبهكِ؟
أصدقائي، ووالدي تحديدًا، كانوا دائمًا يشبهونني بحتشبسوت، وأنا في الحقيقة أعشقها. كانت أول ملكة مصرية قديمة شعرت أنني أرى وجهًا قريبًا مني.
ربما يجمعنا بعض التشابه في الطباع؛ الإيمان بالموقف، والطموح، والتخطيط، وربما أيضًا صعوبة التعامل مع المشاعر والتعبير عنها أحيانًا. لكن أكثر ما أحبه فيها هو قدرتها على أن تعرف ماذا تريد، وأن تخطط لهدوء، ثم تمضي نحوه بثبات.
ما الرسالة التي تتمنين أن يتذكرها كل مصري عن حضارته بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة من أحد كتب سهيلة عمر الرملي؟
أتمنى أن يغلق القارئ الكتاب وهو يشعر أنه وجد شيئًا من نفسه في ما قرأه. لا أريد أن يخرج فقط بمعلومات عن ملك أو ملكة أو أثر، وإنما أن يشعر أن هؤلاء الذين عاشوا منذ آلاف السنين كانوا بشرًا يشبهونه في أشياء كثيرة
أتمنى أن يقول في النهاية وجدت شيئًا من نفسي فيما قرأت، وأن يشعر أن الحضارة المصرية ليست مجرد ماضٍ نفتخر به، وإنما جزء حي من هويتنا، وحكاية ما زالت مستمرة، ونحن أحد فصولها.
فى النهاية نشكر الكاتبة والباحثة سهيلة عمر الرملى على هذا الحوار الرائع متمنيين لها مزيداً من النجاح والتألق.
