حوار محمد أكسم
هناك شخصيات لا تحتاج إلى كثير من التعريف، لأن مسيرتها المهنية والإنسانية تتحدث عنها قبل أن تبدأ هي في الحديث عن نفسها.. وشخصيات أخرى لا تكمن قيمتها الحقيقية في عدد الشهادات التي تحملها أو المناصب التي شغلتها، وإنما في الطريقة التي توظف بها علمها وخبرتها من أجل صناعة فارق حقيقي في حياة الآخرين.
ومن هذه الشخصيات تأتي الدكتورة أماني مصطفى، التي استطاعت أن تجمع في تجربتها بين الطب والإدارة والتميز المؤسسى، وبين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، لتقدم نموذجًا مختلفًا للمرأة المصرية التي اختارت أن تجعل من العلم وسيلة للتطوير، ومن الإدارة أداة لبناء المؤسسات، ومن العمل مسؤولية تتجاوز حدود الوظيفة.
الدكتورة أماني مصطفى ليست مجرد طبيبة أسنان درست الإدارة، ولا مجرد شخصية إدارية تقلدت مواقع مهنية مهمة؛ وإنما هي نموذج للإنسانة التي لم تتوقف عند حدود تخصصها الأول، وظلت تبحث عن المساحة التي تستطيع من خلالها أن تقدم ما هو أكبر وأكثر تأثيرًا, درست الإدارة لأنها أحبتها ورأت نفسها فيها، ثم واصلت طريقها العلمي والمهني حتى حصلت على درجات علمية متقدمة في إدارة الأعمال، لتصبح تجربتها مزيجًا بين المعرفة الطبية والرؤية الإدارية والاهتمام بجودة الخدمات الصحية.
ولعل أجمل ما في تجربة د. أماني أن دخولها عالم الجودة لم يكن قرارًا مهنيًا عابرًا، وإنما ارتبط بتجربة إنسانية عميقة تركت أثرها في وجدانها؛ تجربة مرض والدتها وما صاحبها من تأخر في تقديم العلاج، وهي التجربة التي جعلتها تنظر إلى جودة الخدمة الصحية من زاوية مختلفة، لا باعتبارها إجراءات ولوائح فقط، وإنما باعتبارها حقًا أصيلًا للمريض، وواجبًا أخلاقيًا تجاه الإنسان.
ومن هنا، أصبح اهتمامها بالجودة والاعتماد والحوكمة جزءًا من رؤية أوسع تؤمن بأن المؤسسات لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالعلم والتنظيم والإنسان القادر على تحمل المسؤولية. وفي تجربتها الإدارية، تبدو الدكتورة أماني مؤمنة بأن الإدارة الحقيقية ليست مجرد إصدار قرارات، وإنما القدرة على اختيار الكفاءات، وبناء فرق العمل، وصناعة صورة مؤسسية قوية، والاستفادة من الخبرات المختلفة من أجل الوصول إلى أفضل النتائج.

ورغم الحضور العلمي والمهني اللافت، فإن الجانب الإنساني في شخصية د. أماني يبدو أكثر دفئًا ووضوحًا حين تبتعد عن لغة المناصب والشهادات, ففي حديثها عن والدتها تظهر ابنة تحمل في داخلها مساحة كبيرة من الوفاء والحنين، وفي حديثها عن القراءة والموسيقى والسفر إلى العراق وشارع المتنبي تظهر شخصية تهتم بالثقافة والجمال، وتجد في الهدوء والقراءة والموسيقى مساحة لاستعادة الذات بعيدًا عن صخب العمل ومسؤولياته.
كما أن رؤيتها للإنسان داخل المنظومة الصحية تكشف جانبًا مهمًا من شخصيتها؛ فهي لا ترى المريض مجرد رقم أو ملف، ولا ترى الجودة مسؤولية قسم بعينه، وإنما تعتبر أن كل فرد داخل المؤسسة الصحية شريك في صناعة الخدمة، وأن الطبيب والتمريض والإداري وكل العاملين مسؤولون عن الصورة النهائية التي تصل إلى المواطن.
واللافت في شخصية د. أماني أيضًا أنها تتحدث عن النجاح باعتباره مسؤولية لا امتيازًا، وعن الخبرة باعتبارها رحلة لا محطة نهائية. لذلك تأتي نصيحتها للشباب بأن يبدأوا مبكرًا في التعلم والتخصص واكتساب الخبرات، إيمانًا منها بأن الإنسان الحقيقي هو الذي يظل قادرًا على التطور مهما بلغ ما وصل إليه.
وفي حوارنا معها،نقترب منها بعيدًا عن الألقاب والمناصب، لنكتشف أماني مصطفى الإنسانة قبل أن تكون الطبيبة والإدارية والباحثة
فى البداية نرحب بالدكتورة أماني مصطفى أهلا بكم فى موقع جريدة المصور نيوز

في البداية، القارئ يتساءل: من هي د. أماني مصطفى بعيدًا عن الألقاب والمناصب؟
أنا طبيبة أسنان، وحاصلة على دبلوم في طب الفم والأسنان، وكنت متميزة ومتفوقة في هذا المجال، لكنني درست الإدارة لأنني كنت أحبها أكثر، وكنت أرى نفسي فيها. فأي تخصص علمي لا بد أن تكون له منظومة إدارية تساعد على تطويره وتحقيق أهدافه.
حصلت على ماجستير في الإدارة من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ثم حصلت على دكتوراه مهنية في إدارة الأعمال من جامعة عين شمس، وبعدها حصلت على دكتوراه أكاديمية من إحدى الجامعات في الهند، في تخصص إدارة الأعمال أيضًا
أما تخصصي في مجال الجودة، فله قصة شخصية وإنسانية مهمة بالنسبة لي,حيث كانت والدتي مريضة، وحدث تأخر في تقديم العلاج، رغم أن العلاج نفسه كان مناسبًا، لكن تأخر تقديمه كان له أثر كبير على حالتها، وعاشت بعد ذلك أكثر من 30 عامًا وهي تعاني من شلل نصفي.
ومن هنا أنشأت المؤسسة المصرية لحقوق المرضى عام 2010 بتمويل ذاتي, وفي العام نفسه، وصلت وثيقة موثقة من الولايات المتحدة الأمريكية حول حقوق المريض، وفي تلك الفترة كانت هناك ظروف صعبة، من بينها الثورات والانفلات الأمني، فتوقفنا لفترة، لكننا واصلنا العمل في مجال التوعية، ثم عدنا بعد ذلك لاستكمال جهودنا.
والتقيت بالدكتور أشرف إسماعيل، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، في أكثر من مؤتمر حول الحوكمة، وكان يعرفني من خلال هذه اللقاءات, وكانت الدكتوراه الخاصة بي تدور حول تأثير تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي على جودة الخدمات الصحية، وهو ما جعل مجال الجودة والاعتماد الصحي قريبًا جدًا من اهتماماتي العلمية والمهنية.
ما الذي ألهمكِ لدخول المجال الصحي والعمل في إدارة الجودة والاعتماد؟
أعتقد أن الله أعطى السيدات قدرة كبيرة على التحمل، وكانت أمهاتنا دائمًا حريصات على تعليمنا كيفية إدارة الوقت، وأنه لا توجد حاجة مستحيلة إذا كانت هناك إدارة جيدة للوقت.
ودراستي للإدارة كان لها تأثير كبير في حياتي الشخصية والمهنية، وجعلتني أكثر قدرة على تنظيم مسؤولياتي والتعامل مع التحديات المختلفة.

كيف توفقين بين مسؤولياتك المهنية الكبيرة وحياتك الأسرية والشخصية؟
كان لي الشرف أن أعمل في هيئة الاعتماد والرقابة الصحية، وكانت تجربة مهمة جدًا بالنسبة لي، خصوصًا أن العمل داخل الهيئة كان قائمًا على فكر مختلف في تطوير وتسويق الأعمال، وكان هذا التوجه جديدًا على الجهاز الحكومي.
أنا في الأساس كنت أعمل في وزارة الصحة، لكن معظم حياتي المهنية كانت في القطاع الخاص، ولذلك استفدت من الخبرات التي اكتسبتها في المجالين.
وكان لرئيس الهيئة دور كبير في اختيار فريق العمل، وهو ما انعكس بصورة واضحة على تطوير الهيئة، وعلى الطريقة التي استطعنا من خلالها أن نضع صورة ذهنية متميزة لها، بحيث أصبحت تدار بفكر قريب من أساليب الشركات العالمية، كما أن القانون أعطاها القوة اللازمة للقيام بدورها.
ما النصيحة التي تقدمينها للأطباء والإداريين الشباب الذين يرغبون في العمل بمجال الجودة الصحية؟
أنصحهم بأن يبدأوا طريقهم مبكرًا، وألا يتأخروا في دراسة التخصصات التي تضيف إلى خبراتهم، لأن الشخص الذي يمتلك الخبرة يكون دائمًا أكثر تميزًا وقدرة على التطور.
والتعلم المستمر هو الطريق الحقيقي لاكتساب الخبرة وبناء شخصية مهنية قادرة على تحمل المسؤولية

ما الرسالة التي تودين توجيهها للحكومة والمجتمع الطبي لدعم رؤية الهيئة في المرحلة القادمة؟
رسالتي هي المحافظة على المكتسبات التي تحققت والعمل على تطويرها، والاستفادة من القدرات الموجودة، والحفاظ على الثروة البشرية وتطويرها وتنميتها.
كما أتمنى استكمال تنفيذ رؤية الدولة في مشروع التأمين الصحي الشامل، لأن نجاح هذا المشروع يحتاج إلى تضافر جميع الجهود، والحفاظ على ما تحقق والبناء عليه
ما الكلمة التي تتمنين أن يقولها الناس عنكِ بعد سنوات طويلة من العطاء؟
أتمنى أن يكون المواطن مؤثرًا وفاعلًا في منظومة التأمين الصحي الشامل، وأن يكون لديه الوعي الكافي للانضمام إلى المنظومة، وأن يعرف حقوقه وواجباته، وأن يسأل عنها.
وأتمنى أن نصل إلى مرحلة يكون فيها المواطن واعيًا بحقوقه الصحية، وقادرًا على المشاركة بصورة إيجابية في تطوير منظومة الرعاية الصحية
.
هل الموسيقى والهدوء أصدقاء الدكتورة أماني في لحظات التأمل؟
بالتأكيد، الموسيقى والقراءة من الأشياء التي أحبها، وأجد فيهما مساحة للتأمل والهدوء.
وعندما ذهبت إلى العراق في زيارتي الأخيرة، حرصت على زيارة شارع المتنبي، لأن العراق معروفة بثقافتها وتاريخها الأدبي، كما حضرت جلسات حوارية ونقاشية وشعرية، وكانت تجربة جميلة ومختلفة

لو كانت الحياة لوحة، فما اللون الذي يعبّر عن د. أماني؟ ولماذا؟
الألوان الطبيعية، مثل الأبيض والأخضر ولون السماء، لأنها ألوان تمنح إحساسًا بالراحة والهدوء والصفاء
لو كان بإمكانكِ أن توقفي الزمن عند لحظة واحدة فقط.. أي لحظة ستكون؟ ولماذا؟
لحظة فقد أمي,لأن الإنسان مهما كانت إمكانياته وقوته، تأتي عليه لحظة ضعف لا يستطيع أحد أن يعوضه فيها عن أمه. ولذلك فهي اللحظة التي كنت أتمنى أن يتوقف عندها الزمن وألا تمر.
لو استطعتِ أن تعودي بالزمن إلى الطفلة “أماني”.. ما الشيء الذي كان يسعدكِ وما زلتِ تتذكرينه بابتسامة؟
القراءة والكتب. كانت القراءة بالنسبة لي شيئًا مهمًا، وما زالت حتى اليوم جزءًا من الأشياء التي أحبها.
لو نظرنا إلى المستقبل من زاوية شخصية، فما الحلم الذي ما زال يسكن قلب أماني مصطفى بعيدًا عن العمل؟
الحلم هو الحياة الهادئة، والسكينة، وراحة البال، سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى الحياة بشكل عام

في نهاية هذا الحوار.. كيف ترين العلاقة بين الوعي الصحي وجودة الخدمات الطبية؟
الوعي الصحي للمجتمعات مهم جدًا، وليس من أجل الإنسان نفسه فقط، وإنما من أجل كل من حوله أيضًا. فإذا كنت تقوم بشيء مفيد أو ضار لنفسك، فمن المؤكد أن ذلك سينعكس على المحيطين بك.
أما الأمر الثاني فهو ثقافة الجودة. فالشخص الذي يعمل في الخدمات الصحية يجب أن يدرك أن الجودة ليست مسؤولية فريق محدد فقط.
لا توجد حاجة اسمها “فريق الجودة هو المسؤول”؛ الطبيب مسؤول، وفريق الأمن مسؤول، والطبيب الذي يكتب التقرير مسؤول، وفريق التمريض مسؤول أيضًا عن الخدمة المقدمة.
الجودة مسؤولية كل شخص داخل المؤسسة، وهي السبيل الوحيد للاستدامة، والمحافظة على الموارد المالية للمؤسسة، وتعزيز الانتماء إليها، وضمان تقديم خدمة صحية تليق بالمواطن
في النهاية نشكر الدكتورة أماني مصطفى على هذا الحوار الأكثر من رائع متمنيين لها مزيدا من النجاح
