حين حاول الجاني سرقة الصوت والعينين قبل الجريمة

بقلم: رنيم علاء نور الدين
لم تكن الجريمة اغتصابًا فقط، ولا اعتداءً على جسد طفلة في ليلٍ بلا شهود؛ كانت محاولة كاملة لمحو إنسانٍ صغير. أن تُسلب البراءة أولًا، ثم يُحاول الجاني اقتلاع العينين واللسان لاحقًا، فذلك يعني أن الشر لم يكتفِ بالفعل، بل أراد ضمان الصمت والعتمة إلى الأبد.
في أطراف منطقة «الشيخ عمر» ببندر بلبيس، حيث المصابيح الخافتة بالكاد تهزم الظلام، خرجت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها في مشوارٍ عادي لشراء كيس مسحوق غسيل. كانت عائدة لتوها من عملٍ شاق داخل مشغل ملابس، تحمل على وجهها آثار تعب النهار، وفي قلبها رغبة بسيطة: حمّام دافئ ولقمة من الموجود ثم نوم يعينها على صباحٍ يشبه ما قبله. طفلة تعمل، وأم تنتظر، وبيت ليس سوى غرفة داخل منزل خالٍ احتضنهما بعد وفاة الأب، وميراث بعيد المنال، وحياة تمشي على حافة الاحتياج.
أغلقت المحال أبوابها، ودفعتها الصدفة الثقيلة إلى السير نحو آخر متجر قريب من الزراعات. هناك، لم يكن في انتظارها بائع، بل جار يعرف الطريق إلى الضعف. همسٌ مشوب، يدٌ تُمد، ثم عنفٌ لا يترك مساحة للاختيار. حين قاومت، لم يتراجع؛ مزّق الملابس، أدخل أصابعه في فمها كمن يحاول اقتلاع الصوت من جذوره، ثم قبض على عينيها بكلتا يديه. قالها بوضوح: لن تريه، ولن تنطقي باسمه. قبل أن يفعل فعلته، كان قد قرر شكل ما بعدها.
داخل الزراعات، وقع الاعتداء. دقائق فصلت بين الجريمة والفرار، بعدما لمحه أحد الأهالي من شرفة منزله. دقائق أخرى كانت كافية لتصل الطفلة إلى باب البيت، تسقط في حضن أمها بدموعٍ وخدوش ودمٍ يشي بأن ما جرى أكبر من الكلام. لم تحتج الأم إلى أسئلة طويلة؛ الهيئة كانت اعترافًا، والدموع شهادة.
سردت الصغيرة ما حدث، وربطت الأم الخيوط سريعًا: الجار ذاته الذي طرق بابها قبل ساعات يعرض هاتفًا للبيع، فرفضت قائلة إنها لا تشتري المسروقات. سيرةٌ تختصرها جملة، وجريمةٌ تؤكدها أفعال.
لم تبكِ الأم ابنتها وحدها؛ بكت حالًا ضاق، وجيرةً خانت، وأمانًا تهاوى. ثم حملت ابنتها كما هي، وتوجهت إلى قسم الشرطة. كان البلاغ بداية طريق العدالة، لا نهايته.
تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الشرقية بلاغًا من سيدة (41 عامًا) تقيم بمساكن الشيخ عمر، تتهم جارها «م. ت. س» (25 عامًا) عاطل، باغتصاب ابنتها القاصر بعد استدراجها بالقوة إلى الزراعات. وأكدت أن ابنتها عادت بملابس ممزقة، وإصابات بالغة في الوجه والجسد، وأن المتهم حاول إسكاتها عبر إدخال يده في فمها ومحاولة اقتلاع عينيها لمنعها من التعرف عليه أو الإبلاغ عنه.
أمام النيابة، روت الطفلة ما جرى، وأشارت إلى أن المتهم معروف بإدمان المخدرات والسرقة. قُيدت الواقعة بمحضر رقم 9236 جنح قسم شرطة بلبيس لسنة 2025. وبعد تقنين الإجراءات، أُلقي القبض على المتهم، وقررت النيابة حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق، ثم جدد قاضي المعارضات حبسه خمسة عشر يومًا على ذمة القضية، مع عرض المجني عليها على الطب الشرعي.
القضية ليست رقمًا في سجل، ولا خبرًا عابرًا. هي سؤال مفتوح عن طفولة تُجبر على العمل، وأحياءٍ يبتلعها الظلام، وجناةٍ يظنون أن الصمت يمكن اقتلاعه بالقوة.
فإذا كانت العدالة ستأخذ مجراها في المحاكم، فمن يحمي الأطفال قبل أن يصلوا أصلًا إلى قاعة القضاء؟




