
ليست كل الابتسامات صادقة، ولا كل القرب دليل محبة. في رحلة حياتنا، نعبر وجوهًا تتقن فن الاقتراب السريع؛ كلماتهم دافئة، حضورهم مكثّف، واهتمامهم يبدو استثنائيًا. يمنحوننا شعورًا بأنهم السند الذي طال انتظاره، وأن صداقتهم هبة نادرة. لكن الزمن وحده كفيل بأن يختبر النوايا، ويكشف ما وراء الودّ المصطنع.
ثمة علاقات تبدأ بوهجٍ مبالغ فيه، ثم تنتهي بظلٍ ثقيل من الخيبة. فالصديق الزائف لا يراك كإنسان، بل كفرصة. لا يبحث عن روحك بقدر ما يبحث عن مكاسبك، ولا يقترب من قلبك إلا ليتعرف إلى مفاتيح التأثير عليك. يحيطك بإطراءٍ محسوب، ودعمٍ مشروط، وحضورٍ دائمٍ يبدو وفاءً، بينما هو في حقيقته تمهيدٌ للسيطرة.
أخطر ما في هذا النوع من العلاقات أنه لا يصدمك فجأة، بل يتسلل إليك بهدوء. يعزلُك تدريجيًا عن دوائرك الآمنة، يزرع الشك فيمن حولك، ويقنعك بأن وجوده ضرورة لا غنى عنها. ومع الوقت، تجد نفسك تدور في فلكه، تقيس قراراتك برضاه، وتؤجل احتياجاتك إرضاءً له. هنا يتحول القرب إلى قيد، والصداقة إلى استنزاف صامت.
الثمن ليس بسيطًا؛ إنه ثقة تتآكل، وطمأنينة تتراجع، وطاقة تُهدر في محاولة الحفاظ على علاقة لا تتغذى إلا على عطائك. وتدريجيًا، تكتشف أنك فقدت توازنك، وأنك كنت تمنح أكثر مما تتلقى، وتبرر أكثر مما ينبغي.
لكن الوعي يظل خط الدفاع الأول.
اسأل نفسك بصدق:
من يفرح بنجاحي دون أن يشعر بالتهديد؟
من يحترم حدودي دون أن يعتبرها رفضًا؟
من يدعمني دون أن يُشعرني بالدَّين؟
الصديق الحقيقي لا ينافسك في مساحتك، ولا يخشى نورك، ولا يُذكّرك بفضله كلما احتجته. وجوده يوسّع أفقك، لا يضيّقه. يمنحك أمانًا لا توترًا، ويقوّيك لا يستهلكك.
إن الانسحاب من علاقة مؤذية ليس خيانة، بل شجاعة. وأحيانًا تكون المسافة دواءً، والعزلة المؤقتة إنقاذًا للروح. فليست كل خسارة تُعد خسارة، وبعض الوداعات بداية لاستعادة الذات.
الحياة أقصر من أن نقضيها في تبرير ما يؤلمنا. فلنختر من يضيف إلى أرواحنا خفة، ومن يشاركنا الطريق بمحبة صافية، لا بمن يتقن ارتداء قناع الصداقة حتى تتحقق مصلحته.
فالصداقة الحقيقية ليست كلمات رقيقة، بل مواقف ثابتة…
وليست حضورًا وقت الحاجة، بل ثباتًا وقت الاختبار.
ومن لا يفهم هذا المعنى، لا يستحق أن يكون جزءًا من رحلتنا.




