
كتبت / داليا حسام
في موسم درامي مزدحم بالأعمال المتنوعة، يخرج مسلسل «صحاب الأرض» من إطار المنافسة التقليدية ليقف في مساحة مختلفة تمامًا؛ مساحة تتقاطع فيها الدراما مع التوثيق، والفن مع الضمير، والحكاية مع الحقيقة.
ليس مجرد مسلسل عن حرب، بل عمل عن الإنسان حين
يُختبر في أقسى لحظاته حكاية تُروى من قلب الألم
تدور أحداث العمل حول العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، من خلال خطين دراميين متوازيين
طبيبة مصرية تقرر الانضمام إلى قافلة إغاثة داخل غزة، مدفوعة بإحساسها بالمسؤولية الإنسانية، ورجل فلسطيني يحاول إنقاذ ابن شقيقه وسط القصف والدمار.
الفكرة التي صاغها المؤلف عمار صبري، وطورها دراميًا الكاتب محمد هشام عبية، جاءت بعيدة عن المباشرة الخطابية، واقتربت من الإنسان في ضعفه وقوته، في خوفه وأمله، في انكساره وإصراره على الحياة.
النص لا يكتفي بسرد المأساة، بل يمنحها بعدًا إنسانيًا عميقًا يجعل المشاهد شريكًا في الألم، لا مجرد متفرج.
رؤية إخراجية تنبض بالصدق
المخرج بيتر ميمي قدّم واحدة من أكثر تجاربه نضجًا على مستوى الإحساس البصري.
اعتمد على لقطات واسعة تُبرز هشاشة البشر أمام اتساع الخراب، واستخدم الكاميرا القريبة في لحظات الانكسار لتضعنا وجهًا لوجه مع الدموع والارتجاف والصمت الثقيل.
الإيقاع جاء متوازنًا؛ لا استعجال في المشاعر، ولا إبطاء مفتعل، بل مساحة كافية لكل مشهد ليقول كلمته كاملة.
أبطال أداء بحجم القضية
يتصدر البطولة النجم إياد نصار في دور الرجل الفلسطيني، مقدّمًا أداءً داخليًا صادقًا، يعتمد على النظرة أكثر من الكلمة، وعلى الصمت أكثر من الصراخ.
وتقف أمامه النجمة منة شلبي في دور الطبيبة المصرية، بأداء يحمل مزيجًا من القوة والارتباك الإنساني، ويعكس صراعًا داخليًا بين المهنية والعاطفة.
كما يشارك في البطولة كل من:
كامل الباشا،
آدم بكري،
تارا عبود،
وعدد من الوجوه العربية التي أضافت للعمل ثراءً وتنوعًا.
الكيمياء بين الممثلين واضحة، وكل شخصية مكتوبة بعمق، فلا وجود لأدوار هامشية بلا تأثير.
الديكور والتصوير… حين يصبح المكان بطلًا
رغم أن التصوير تم في القاهرة داخل ديكورات أُعدّت خصيصًا لمحاكاة غزة، فإن التفاصيل جاءت شديدة الدقة؛ الجدران المتشققة، الأزقة الضيقة، آثار الدمار… كلها عناصر منحت المشاهد إحساسًا واقعيًا قويًا.
مدير التصوير اعتمد على الضوء الطبيعي والظلال الثقيلة ليعكس حالة الخوف والترقب، فكانت الصورة أقرب إلى لوحة تشكيلية تحمل الألم في تفاصيلها.
الموسيقى أنين صامت يرافق المشهد
الموسيقى التصويرية جاءت شديدة الحساسية، لا تفرض نفسها، بل تتسلل بهدوء إلى القلب.
أما أغنية التتر «يمة مويل الهوا» بصوت أمير عيد وناي برغوثي، فكانت اختيارًا موفقًا؛ تحمل روح التراث الفلسطيني، وتختصر بكلماتها الشجن والحنين والانتماء.
إنتاج يحمل رسالة
العمل من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وظهر واضحًا أن هناك اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل الفنية، سواء في اختيار مواقع التصوير أو في العناية بالجوانب التقنية، ليخرج المسلسل بصورة تليق بحجم القضية.
حين تنتصر الإنسانية
«صحاب الأرض» ليس مسلسلًا عن الحرب فقط، بل عن الإنسان حين يتمسك بالحياة رغم كل شيء.
عن الطبيب الذي يقاوم العجز، وعن الأب الذي يحتمي بالأمل، وعن الأرض التي لا تُختصر في تراب، بل تختزن ذاكرة وكرامة وهوية.
إنه عمل يُثبت أن الدراما يمكن أن تكون رسالة، وأن الفن حين يلامس الحقيقة بصدق، يتحول إلى شهادة تاريخية لا تُنسى.




