
عزت مجدي
في ظل الزخم الإعلامي المتسارع الذي يسيطر على المشهد حاليًا، لم يعد السؤال عن حجم المحتوى المطروح هو الأهم، بل عن جودته وتأثيره الحقيقي على وعي الجمهور. فمع كل تصفح سريع عبر منصات التواصل أو المواقع الإخبارية، يبرز تساؤل ملح: هل ما يُقدم يعكس واقع الناس وتحدياتهم، أم أصبح مجرد سباق محموم نحو “الترند” وعدد المشاهدات؟
واقع يومي مختلف تمامًا يعيشه قطاع كبير من الشباب، الذين يبدأون حياتهم من الصفر، يعملون لساعات طويلة قد تتجاوز 12 ساعة يوميًا، في محاولة لبناء مستقبل مستقر. هؤلاء، حين يفتحون هواتفهم، يجدون أنفسهم أمام محتوى يحتفي بنماذج تحقق النجاح السريع؛ “بلوجر سافر”، أو “شخص افتتح مشروعًا وأصبح مشهورًا خلال أيام”. وهنا تبدأ فجوة نفسية في التكون، تجعل البعض يشعر أن ما يقدمه من جهد حقيقي لا يلقى التقدير، أو أن الطريق الذي يسلكه لم يعد هو الطريق الصحيح.
الأزمة في جوهرها لا تتعلق بالنجاح ذاته، فكل تجربة ناجحة تستحق الإشادة، لكن الإشكالية تكمن في طريقة تقديم هذه النماذج، وكأنها المسار الوحيد لتحقيق الذات. حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويُعاد تشكيل الوعي العام على هذا الأساس، يصبح الخلل واضحًا في ترتيب الأولويات.
خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت ظاهرة الاعتماد على “البلوجرز” كمصادر رئيسية للمحتوى، بل وتجاوز الأمر إلى استضافتهم في البرامج الإعلامية ومنحهم مساحات واسعة للتأثير، رغم افتقار بعضهم للخبرة أو التخصص. في المقابل، يقف خريجو الإعلام والصحافة، ممن يمتلكون أدوات حقيقية ومهارات مهنية، على هامش المشهد، في انتظار فرصة قد لا تأتي.
هذا التفاوت لا يخلق فقط حالة من الإحباط، بل يرسخ مفهومًا خطيرًا، مفاده أن النجاح لم يعد مرتبطًا بالاجتهاد أو العلم، بل بالقدرة على جذب الانتباه وتحقيق الانتشار السريع. وهو ما قد ينعكس سلبًا على جيل كامل، يعيد ترتيب أولوياته بناءً على معايير غير مستقرة.
الإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو شريك أساسي في تشكيل الوعي الجمعي. واختياراته التحريرية ليست محايدة، بل تحمل رسائل ضمنية تحدد ما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله. وعندما يميل الميزان لصالح المحتوى السطحي على حساب القيمة، فإن التأثير يتجاوز حدود الشاشة ليصل إلى تشكيل مفاهيم المجتمع بالكامل.
المطلوب اليوم ليس إقصاء أي طرف، فوجود صناع المحتوى بات جزءًا من الواقع الإعلامي الجديد، لكن الضرورة تفرض إعادة التوازن. توازن يمنح المتخصصين المساحة التي يستحقونها، ويعيد الاعتبار للمحتوى القائم على المعرفة والخبرة، ويقدم نماذج متنوعة للنجاح تعكس حقيقة المجتمع بكل أطيافه.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على وعي المؤسسات الإعلامية بدورها، وقدرتها على إدراك أن السباق نحو “الترند” قد يحقق مكاسب لحظية، لكنه على المدى البعيد قد يكلف المجتمع ثمنًا باهظًا من وعيه وقيمه.




