مقالات
أخر الأخبار

أطفالنا رهائن الشاشات.. متى فقدت الطفولة براءتها

 

كتبت: فاطمة الزهراء الحداد.

 

لم يعد صراخ الأطفال أو ضحكاتهم هو الصوت المسيطر داخل المنازل، بل حلّ محله صمت عميق، لطفل منشغل بشاشة صغيرة، يمرر عليها أصابعه لساعات دون ملل، مشهد أصبح مألوفًا، لكنه يخفي وراءه تغيّرًا كبيرًا في شكل الطفولة كما نعرفها.

 

انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة تمسّ الكثير من الأسر، حيث أصبح الأطفال يمسكون بالهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية طوال اليوم، حتى يصل الأمر إلى النوم وهم ممسكون بها. ولم يعد هذا السلوك مقتصرًا على فئة عمرية معينة، بل أصبح منتشرًا بين الأطفال من سن 5 إلى 10 سنوات، ليصبح الهاتف جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية، ولم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحول إلى أسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه.

 

وأصبح الطفل يفضل الجلوس مع الهاتف والعزلة عن الآخرين، بدلًا من اللعب مع أقرانه أو ممارسة الألعاب التقليدية التي كانت تشكّل جزءًا أساسيًا من طفولتنا. ويرجع ذلك إلى أن هذه الألعاب مصممة بطريقة تجذب الأطفال بشكل كبير، من خلال الألوان والتصميمات البصرية التي تجعلهم غير قادرين على تركها بسهولة، حيث تخلق لهم عالمًا خاصًا يندمجون فيه.

 

وتُعد بعض الألعاب مثل Roblox من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث أدمنها عدد كبير من الأطفال والمراهقين في الفترة الأخيرة، نظرًا لما توفره من تفاعل وتجارب مختلفة تجذبهم للبقاء لفترات طويلة.

 

ولا يمكن إغفال دور الأسرة في هذه المشكلة، حيث تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك الطفل. ففي كثير من الأحيان، يلجأ بعض الأهل إلى إعطاء الهاتف للطفل كوسيلة سريعة لإلهائه أو تهدئته، خاصة في ظل ضغوط الحياة اليومية. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الحل المؤقت إلى عادة دائمة، يصعب الاستغناء عنها، سواء بالنسبة للطفل أو للأهل، ويجدون صعوبة في إبعاد الطفل عن الهاتف بعد أن أصبح بمثابة إدمان.

 

كما أن غياب البدائل المفيدة والواقعية يلعب دورًا مهمًا، فقلة المساحات المخصصة للعب، وضعف التفاعل داخل الأسرة أو مع الأصدقاء، قد يدفع الطفل إلى البحث عن التسلية في العالم الرقمي، مما يؤدي إلى عزله نفسيًا عن الواقع، وقد يسبب له لاحقًا بعض المشكلات مثل ضعف التواصل، وزيادة العصبية، والبكاء الشديد.

 

ومن بين التأثيرات الأخرى، ضعف التركيز، وسرعة الغضب عند منع الهاتف، إلى جانب اضطرابات النوم نتيجة التعرض المستمر للشاشات.

 

ويرى الكثير من المتخصصين أن الحل لا يكمن في منع الأطفال من استخدام الهواتف بشكل كامل، بل في تنظيم هذا الاستخدام، ووضع حدود واضحة له، بما يحقق نوعًا من التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.

 

ومن بين الحلول الممكنة، تقليل الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة بشكل تدريجي، وتوفير بدائل مناسبة مثل الأنشطة الرياضية أو الألعاب الجماعية، بالإضافة إلى مشاركة الأهل للأطفال في هذه الأنشطة، مما يعزز التواصل ويقلل من الاعتماد على الهاتف. كما يُنصح بالتحدث مع الطفل عن مخاطر الاستخدام المفرط، وأهمية التوازن، وتشجيعه على حب الحياة الواقعية.

 

كما أن تخصيص أوقات محددة خالية من استخدام الأجهزة داخل المنزل، قد يساعد في إعادة التوازن، ويمنح الطفل فرصة للتفاعل الحقيقي مع من حوله، مما يجعله أكثر ارتباطًا بالواقع وأقل انجذابًا للعالم الافتراضي.

 

تبقى التكنولوجيا جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في حياتنا، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استخدامها بشكل صحي، خاصة بالنسبة للأطفال، حتى لا تتحول من وسيلة مفيدة إلى مصدر تأثير سلبي على نموهم وتطورهم، أو تعرضهم لمخاطر مثل الاستغلال أو الابتزاز من بعض الأشخاص غير الأسوياء.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى