
بقلم / رنيم علاء نور الدين
في فجر يوم بارد من شهر يناير عام 2020، كانت قرية كفر الدوار تعيش هدوءها المعتاد، لا صوت يُسمع سوى أذان الفجر الذي بدأ يتردد في الشوارع الضيقة، بينما كان الأهالي يستعدون للنزول إلى الصلاة، دون أن يعلم أحد أن هناك بيتًا في القرية تحوّل قبل دقائق إلى مسرح لجريمة لن ينساها الناس أبدًا.
في البداية لاحظ الأهالي دخانًا كثيفًا يخرج من منزل رجل بسيط يُدعى حسني، ومع اقترابهم بدأت ألسنة النار تلتهم المكان بالكامل، وسط صرخات وخوف سيطر على الجميع. هرعت سيارات الإطفاء والإسعاف إلى المكان، وبعد محاولات طويلة تمت السيطرة على الحريق، لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في النار… بل فيما أخفته النار.
رجال الإسعاف بدأوا في انتشال الجثث واحدة تلو الأخرى، في مشهد صعب تحمله حتى على رجال الإنقاذ أنفسهم. أطفال صغار، أم، جدة مسنة، وأسرة كاملة انتهت في ليلة واحدة.
في البداية اعتقد الجميع أن الحريق هو السبب، لكن رجال الأدلة الجنائية لاحظوا شيئًا غريبًا… رائحة بنزين منتشرة في كل أركان المكان، وكأن أحدهم أراد للنار أن تلتهم كل شيء وتمحو الحقيقة بالكامل.
ومع تقرير الطب الشرعي، انكشف الرعب الحقيقي.
الضحايا لم يموتوا اختناقًا أو بسبب الحريق كما ظن الجميع، بل كانت هناك طعنات قاتلة في أجسادهم، والجريمة كانت أسبق من النار بدقائق طويلة.
الشرطة بدأت رحلة البحث عن القاتل، خاصة بعد العثور على آثار دماء تقود إلى خارج المنزل، وكأن الجاني أُصيب أثناء هروبه. تم فحص عشرات المشتبه بهم المعروفين بسرقة المواشي، لكن دون أي نتيجة، إلى أن جاءت المفاجأة بعد أيام قليلة.
أحد المستشفيات أبلغ عن رجل حضر لتلقي العلاج من جرح عميق في يده، وبمجرد تحليل عينة الدم الخاصة به، كانت النتيجة صادمة… الدم مطابق تمامًا للدم الموجود في مسرح الجريمة.
المتهم لم يكن غريبًا عن العائلة، بل كان صديقًا قديمًا لحسني، شخصًا دخل البيت عشرات المرات، وجلس مع الضحايا وأكل معهم، قبل أن يتحول في لحظة إلى قاتل.
وخلال التحقيقات، اعترف بأنه كان يمر بضائقة مالية كبيرة، وفكر في سرقة المواشي الخاصة بصديقه لبيعها وسداد ديونه، لكنه أثناء تنفيذ السرقة فوجئ بحسني يكتشفه، فتحولت السرقة إلى جريمة قتل.
التحقيقات كشفت أن المتهم استخدم سكينًا كبيرة، واعتدى على الضحية بعنف شديد، ثم حاول التخلص من كل الشهود داخل المنزل، قبل أن يجمع الجثث ويشعل النار بالمكان حتى يبدو الأمر وكأنه حادث حريق مأساوي.
لكن الحقيقة خرجت من وسط الرماد.
جرح صغير في يد القاتل كان كافيًا لكشف واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها القرية، جريمة لم يكن دافعها الانتقام أو الثأر، بل الطمع والخوف من الفضيحة بعد انكشاف السرقة.
وفي النهاية، أصدرت المحكمة حكمها بالإعدام على المتهم، لتنتهي القضية، لكن تفاصيل تلك الليلة ظلت عالقة في ذاكرة كل من عرف القصة… لأن أصعب أنواع الخيانة، هي تلك التي تأتي من شخص ظننته يومًا “أعز أصحابك”.




