بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تتوجه النساء البسطاء إلى المستشفيات الجامعية والحكومية، يذهبن وكأنهن يلقين بأجسادهن المنهكة في أحضان “ملائكة الرحمة”، باحثات عن ستر لوجعهن، ويد حانية تخفف عنهن ألم المخاض. لكن خلف تلك الأبواب المغلقة في قسم النساء والتوليد بمستشفى الشاطبي الجامعي بالأسكندرية، تسقط الأقنعة البيضاء لينكشف مستنقع موبوء، لا تُنتهك فيه البروتوكولات الطبية فحسب، بل تُسحق فيه الكرامة الإنسانية ويُهتك فيه عِرض النساء تحت وطأة ممارسات سادية وتجارة فجة أفسدت شرف المهنة السامية.
هذه ليست مجرد كلمات إنشائية، بل هي شهادة تشريحية موثقة بدموع القهر والعجز، ترويها طبيبة امتياز قضت شهرين كاملين داخل هذا القسم، واصفة إياهما بأنهما أتعس وأسوأ فترات حياتها. شهادة تكشف كيف تحول “البالطو الأبيض” في أيدي البعض إلى سكين يبتر آدمية المريضات في أضعف لحظات حياتهن.

تنقل لنا الطبيبة أربعة مشاهد مرعبة، مستحيل أن يمحوها الزمان، لتضعها كبلاغ علني صارخ أمام كل مسؤول في هذا الوطن لا يزال يمتلك ذرة من ضمير أو أخلاق:
أولاً: التحرش الجنسي الصريح تحت ستار “الإجراء الطبي”
المشهد الأول لفتة بريئة، فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، تخوض تجربة الولادة لأول مرة في حياتها. صرخات خوفها وفزعها الطبيعي لم تحرك في الطبيب المسؤول غريزة الرحمة، بل أثارت تذمره لأنه “مصدع من صوتها”! وعوضاً عن طمأنتها، قرر معاقبتها؛ فقام بإجراء فحص فتحة عنق الرحم (المطلوب طبياً) بشكل سادي ومهين وعميق، متعمداً تحفيز البظر وشد الشفرات، في عملية تحرش وهتك عِرض علنية وصريحة أمام طاقم التمريض وطبيبة الامتياز التي تجمدت دقائق من فرط الصدمة والرعب.
والأبشع من الجريمة هو ما حدث بعدها؛ إذ خرج هذا الطبيب بكل بجاحة ليتفاخر بـ”مغامرته الجنسية” أمام الممرضات قائلاً: “عشان تبقى تتمرقع وتصوت تاني!”، ل يقابَل كلامه بضحكات وسخرية أصابت الشرف المهني في مقتل.
ثانياً: صفع على الوجوه وألفاظ تقشعر لها الأبدان
في مشهد آخر داخل كشك الولادة، كانت هناك سيدة تصرخ مستغيثة من شدة الألم، وبدلاً من تقديم الدعم النفسي أو الطبي لها، قام الطبيب بصفعها “قلم” على وجهها لإسكاتها! لم تكتفِ الممرضة بمشاهدة الإهانة، بل وجهت للمريضة عبارات وإيحاءات جنسية قذرة وخادشة للحياء تقارن فيها بين آلام مخاضها وعلاقتها الخاصة مع زوجها. وعندما تحركت طبيبة الامتياز وزميلتها بدافع الإنسانية لتجفيف عرق السيدة ومساندتها، قوبلت هذه اللفتة الآدمية بسخرية لاذعة من الطبيب والتمريض اللذين تهكما عليهما بوصفهما: “كتاكيت وقلبها خفيف”، وكأن الرحمة والرفق بالمرضى أصبحا تهمة ومجالاً للتندر!
ثالثاً: ذبح ضحية اغتصاب بسكين الأحكام الأخلاقية
في نوبة عمل ليلية (نايت شيفت)، استقبل القسم سيدة تعرضت لمحاولة اغتصاب وحشية أدت إلى نزيف مهبلي حاد وتهتك في جدار الرحم، وجاءت برفقة أمين شرطة وبموجب محضر رسمي. ورغم خطورة حالتها وحاجتها الملحة لتدخل طبي طارئ، امتنع الأطباء تماماً عن إسعافها، ورفضوا صرف حبوب منع الحمل الطارئة أو تحويلها لقسم الحميات لتلقي الجرعة الوقائية من الفيروسات منقولة الدم (HIV). وحينما انتفضت طبيبة الامتياز في وجههم لإنقاذها، كان الرد قمة في الحقارة والدناءة، إذ سبوا المريضة بأبشع الألفاظ بناءً على مظهرها الشخصي ووجود سجائر بحوزتها قائلين: “فكك منها دي…!”، وتركوا الست تنزف ووقفوا يكملون تناول “السندوتشات” بمنتهى البرود!
رابعاً: سلطة الوصاية العقيمة.. الحياة مقابل “قسيمة الجواز”
المشهد الرابع يمثل ذروة الكارثة الإنسانية والقانونية؛ سيدة تعاني من إجهاض غير مكتمل في الشهر السادس، وعلامات الضرب والتعذيب المنزلي واضحة كالشمس بجود كدمة قوية (بونية) في عينها. الجنين نزل بالفعل في قماشة والحبل السري متدلي خارج جسمها والمشيمة محتجزة بالداخل، وهو وضع طبي حرج يعرضها للموت بتسمم الدم في غضون دقائق.
ورغم ذلك، رفض البهوات لمسها أو إجراء عملية تنظيف للرحم، كما رفضوا إثبات واقعة العنف بمحضر رسمي، واشترطوا إحضار “قسيمة الزواج” أولاً كشرط لإنقاذ حياتها! ولولا أن طبيبة الامتياز قيدتها على مسؤوليتها الشخصية لماتت السيدة، والمثير للاشمئزاز أن الطبيب الأقدم (السنيور) اشترط كتابة جملة مهينة على تذكرة حالتها وهي: “اشتباه حمل سفاح”!
سبوبة الشاليهات وأقساط أبراج سموحة!
تستمر الفضائح في هذه الشهادة لتكشف عن ممارسات طبية عقيمة ومجرمة علمياً تُمارس بشكل منهجي لتوفير الوقت، مثل إجراء “الضغط بالكوع على الرحم” بقسوة لتحفيز نزول المشيمة بدلاً من الانتظار الطبيعي أو استخدام الأوكسيتوسين، بالإضافة إلى عمليات شق العجان غير الضرورية، ولجوء بعض الأطباء لما يُعرف بـ”غرزة الزوج” إرضاءً لثقافة ذكورية مشوهة على حساب صحة المرأة وجسدها.
وتوجه الشهادة اتهاماً صريحاً لمافيا “العمليات القيصرية غير الضرورية” التي تُجرى عمال على بطال بهدف جمع الأموال الطائلة، مقابل الرفض التام لتوليد الحالات طبيعياً بعد القيصرية السابقة حتى لو كانت الحالة تسمح بذلك، متهكمة بعبارة تدمي القلوب: “كله عشان نلم أقساط شاليهات العلمين وأبراج سموحة.. على حساب دين أم مشاعر مهنة سامية تُهتك فيها الأعراض!”.
تختتم الطبيبة صرختها بوصف بيئة العمل غير الآمنة والمهينة التي يتعرض لها أطباء الامتياز والأطباء المقيمون (الجونيورز)، حيث يتم تشغيلهم “كخدم” وسحق آدميتهم، فضلاً عن التنمر اليومي على أشكال وألوان الأعضاء الجنسية للستات الغلابة اللي بتولد، والألفاظ البذيئة التي لا تُسمع في أحقر المقاهي البلدي.
وتتجلى قمة الذكورية والجهل في قصة السيدة التي كانت مهددة بالموت ورفضوا إدخالها العناية المركزة لعدم وجود موافقة كتابية من زوجها المغترب في الخليج أو أشقائها الرجال في الصعيد، ورفضوا تماماً موافقة أمها، ولما اعترضت طبيبة الامتياز، قال لها السنيور بضحكة سخيفة: “ده الشرع والقانون يا دكتورة.. ولا أنتِ من الجماعة الفيمنست؟ هاهاها!”.
إن هذه الشهادة ليست مجرد تدوينة، بل هي بلاغ رسمي ممتد إلى النائب العام، ووزير الصحة، ووزير التعليم العالي، ونقابة الأطباء. ما يحدث في مستشفى الشاطبي بالأسكندرية هو جريمة مكتملة الأركان في حق الإنسانية، وتطهير هذا الصرح ومحاسبة هؤلاء الشياطين الذين يتخفون وراء “البالطو الأبيض” هو فرض عين لحماية جسد وكرامة المرأة المصرية.
