بقلم: رنيم علاء نور الدين
الجرائم العادية تُنسى بمجرد جفاف حبر الصحف، لكن هناك من الفظائع ما يُجبر قلم الكاتب على التوقف ذهولاً أمام بشاعة النفس البشرية. اليوم، وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر في محكمة جنايات مستأنف الجيزة، أُغلق الستار بالقصاص العادل، وصدر الحكم بالإعدام على المتهم بقتل “أطفال فيصل” وأمهم، في قضية لم تكتفِ المحكمة بإحالتها للمفتي مرة واحدة، بل مرتين متتاليتين، لتؤكد أن الأرض ضاقت بذنب هذا الرجل.
الحكاية بدأت من محل طيور وأدوية بيطرية في الهرم، حيث كان صاحبه “أحمد. م” يمتلك خبرة واسعة في تركيب السموم ومبيدات الآفات.. خبرة قرر، بدم بارد، أن ينهي بها حياة عائلة كاملة لأن الأم تجرأت وهددت بكشف المستور!
في عام 2025. المكان بشقة في شارع اللبيني بمنطقة فيصل.
جاء المتهم يحمل في يده شراباً صيفياً منعشاً؛ “عصير مانجو” يشتهيه الصغار وتفرح به الأم “ز. ع”. لكن هذا العصير لم يكن يحمل السكر، بل كان فخاً كيميائياً قاتلاً طبخه المتهم بدقة بيطرية؛ دسّ فيه “فوسفيد الزنك” (سم الفئران)، وخلطه بمركبات فسفورية حشرية، ثم أضاف عقار “الكوتيابكس” المخدر ليضمن شلّ حركتهم تماماً.
تجرعت الأم العصير، ولم تمر دقائق حتى تملك السم من جسدها وسقطت جثة هامدة وسط جدران الشقة، لتتحقق رغبة المتهم في إزهاق روحها وتكميم فمها للأبد.
التفت المتهم إلى الأطفال الأربعة؛ مصطفى، وسيف الدين، وجنى، وشقيقهم الثالث. أطفال في عمر الزهور، استقبلوا الرجل بالترحاب وبراءة الصغار، فقدم لهم ذات الكؤوس المسمومة.
شرب الصغار وتهاووا واحداً تلو الآخر كعصافير مكسورة الجناح، بلا قدرة على الصراخ أو الاستغاثة. لكن البشاعة بلغت ذروتها مع الطفل الأصغر “مصطفى”، الذي يبدو أن جسده الضعيف قاوم السم ولم يمت فوراً؛ فلم يتردد المتهم في استكمال المذبحة، حمل الصغير وهو يئن وتوجه به في عتمة الليل إلى مصرف مائي (ترعة)، وألقى به حياً في جوف المياه، ليتركه يصارع الموت غرقاً حتى انقطعت أنفاسه اختناقاً وفقاً لتقرير الطب الشرعي.
بعد أن ترك خلفه منزلاً تفوح منه رائحة الموت، أراد المتهم أن يمحو خطاه؛ توجه إلى مستشفى القصر العيني، وهناك، بمساعدة موظف عام يدعى “سعيد. ا”، نجح في تزوير دفتر استقبال المستشفى ليدخل باسم مستعار وهو “علي محمد”، ظاناً أن هذا الاسم المزيف سيكون طوق النجاة الذي يحميه من حبل المشنقة.
لكن النيابة العامة حاصرت “سفّاح فيصل” بتقرير الصفة التشريحية، وبأدلة فنية دامغة، وأقوال شهود صاغت تفاصيل الليلة الملعونة بدقة، لتنتهي فصول الهروب اليوم بكلمة القضاء الحاسمة: الإعدام.
سيسدل الستار، وتُطوى القضية رقم 50416، ويُساق القاتل إلى منصة الإعدام وبدلة الإعدام الحمراء تحيط بجسده، ولكن يبقى سؤال معلق ومؤلم يطارد كل من يمر بشارع اللبيني:
هل ستنسى جدران تلك الشقة يوماً ملامح الأطفال وهم يتناولون “عصير المانجو” من يد قاتلهم، أم أن صرخة الصغير “مصطفى” وهو يُلقى حياً في الماء ستبقى تروي للأجيال كيف يموت قلب الأب وتتحول البشرية إلى مسخ؟
