بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما تضيق بنا دفاتر الحوادث المعاصرة، ندرك أن الجريمة لم تعد بحاجة لنية إجرامية مسبقة من الضحية، بل قد تولد أحياناً من رحم النوايا الطيبة والثقة العمياء في أقرب الأصدقاء. في زمن تحكمه “الأرقام المستعارة” وخلفيات المكاتب المغلقة لشركات الاتصالات، قد تدفع ثمن جريمة لم تسمع عنها يوماً، وتجد مستقبلك يتهاوى خلف قضبان حكم بالمؤبد، لمجرد أنك منحت أحدهم “بطاقتك الشخصية” لقضاء خدمة ظننتها عابرة وبسيطة.
هذه المأساة الحية تجسدت بمرارة في صرخة الشاب “عمرو عبد الحكيم”، الطالب بكلية الحاسبات والمعلومات والمقيم بمحافظة الشرقية، والذي تصدر واجهة منصات التواصل الاجتماعي في مقطع فيديو أشبه بالبث الجنائزي لمستقبله. عمرو حكى بدموع وعجز كيف صدر ضده حكم غيابي بالمؤبد في قضية اتجار بالمواد الممنوعة (المخدرات)، رغم أنه يؤكد للجميع بيقين تام أنه لا يملك أي علاقة من قريب أو بعيد بتلك القضية اللعينة أو أطرافها.
فالواقعة بدأت قبل حوالي سنتين، عندما وضع عمرو ثقته الكاملة في أحد أصدقائه.
حيث طلب الصديق منه بطاقته الشخصية بحجة التعاطف والقرابة: “أختي تعمل في أحد فروع شركات الاتصالات، وتحتاج لتسجيل خط باسمه لتسد عجز (التارجت) المطلوب منها في العمل”.
ولأن الشهامة المصرية لا تتردد أمام الأصدقاء، وافق عمرو وسلمه البطاقة. وللأسف الشديد، كان هذا الخط المسجل باسمه هو الرابط المادي والوحيد الذي وجدته جهات التحقيق يربط بين الطالب وبين قضية اتجار كبرى بالمنوعات، ليتحول الخط الهاتفي إلى حبل مشنقة يلتف حول مستقبله بالكامل.

الأنكى في تفاصيل القضية، والمليء بالخذلان، هو ما كشفه المنشور المتداول حول الواقعة؛ إذ تبين أن الفتاة عند مثولها أمام جهات التحقيق وأنكرت معرفتها بالأمر لحماية نفسها من الأذى المهني والجنائي، رغم وجود وثائق وصور تفيد بأنها استخدمت بطاقة الشاب لتسجيل ليس خطاً واحداً بل عدة خطوط مجهولة الاستخدام. وأمام هذا الانسداد، أعلن عمرو في الفيديو أنه في طريقه لتسليم نفسه طواعية لإعادة إجراءات المحاكمة، على أمل أن يُفتح تحقيق موسع وجديد يستجلي الحقيقة المفقودة خلف كواليس التزوير واستغلال البيانات الشخصية.
إن هذه القضية لا تقف عند حدود مأساة طالب جامعي يواجه حكماً قاسياً، بل تمثل جرس إنذار مرعب ومباشر لكل مواطن؛ تذكرنا بعواقب الاستهانة بالبيانات الرسمية وتدفعنا لإطلاق نداء عاجل بضرورة مراجعة كافة الخطوط المسجلة بالأرقام القومية عبر تطبيق جهاز تنظيم الاتصالات (NTRA) بصفة دورية لقطع دابر مثل هذه الفخاخ.
ومع توجه الشاب عمرو لإعادة المحاكمة أملاً في براءة تائهة تعيد له قاعات مدرجاته الجامعية، يبقى التساؤل الفلسفي والموجع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن:
إلى أي مدى يمكن أن تدفع الثقة بالأصدقاء بالإنسان إلى حافة الهاوية، وهل ستنصفه ساحات العدالة وتكشف تفاصيل “فخ التارجت” والتزوير، أم أن الأوراق الرسمية الصامتة ستظل أقوى من صرخات البراءة خلف القضبان؟
