بقلم: رنيم علاء نور الدين
حينما يلتقي الطيش الفج بالجحود الإنساني، لا نكون أمام مجرد حادثة طريق عابرة، بل نحن أمام جريمة كاملة الأركان تعكس في طياتها منتهى الاستهتار بأرواح الأبرياء. ما أوجع أن تدفع فتاة شابة شريفة حياتها ثمناً لبلادة وتربية مشوهة، لتبكيك القصة مرتين: مرة على دماء سالت في ركضها وراء لقمة عيش حلال، ومرة من “فجر” ودم بارد أبداه الجاني في موقع الجريمة بلا ذرة ندم أو حياء!
هذا المشهد المرعب الذي يدمي القلوب استيقظت عليه منطقة حدائق الأهرام، لينتفض معها الشارع المصري ومنصات التواصل الاجتماعي في موجة غضب عارمة، إثر الفاجعة التي راحت ضحيتها الشابة “هدير” صاحبة الـ 24 عاماً. هدير كانت نموذجاً يُحتذى به في الشرف والجدعنة؛ تقف بجلد وصبر لـ 14 ساعة يومياً على طريق شارع الجيش خلف عربية شاي وقهوة صغيرة، تصارع ظروف الحياة من أجل مائتي أو ثلاثمائة جنيه تسند بها عائلتها وتكفيهم السؤال.
وفي ثانية واحدة خاطفة، تحولت لقمة العيش إلى كابوس مأساوي؛ حينما دهستها سيارة ملاكي طائشة تقودها طفلة لم تتجاوز الـ 15 من عمرها، وبصُحبتها شاب في نفس السن تقريباً. الصدمة لم تتوقف عند حدود الحادث البشع الذي دمر جسد هدير الغلبانة وأنهى حياتها وأصاب صديقتها بكسور خطيرة، بل تفجرت الصدمة الحقيقية من الموقف المقزز للبنت المتسببة في الكارثة؛ وقوف ببرود وتناكة، وإيد في الجيب، ولما واجهتها سيدة شجاعة وشهدت على الجريمة، كان الرد حركة بذيئة بالإيد وتطليع لسان! إحنا هنا مش قدام طفلة غلطت، إحنا قدام “مجرمة صغيرة” نزعت من قلبها أي ريحة للإنسانية.
وحتى لا يضيع حق هدير هباءً، ولا ندفن رؤوسنا في رمال الثغرات القانونية، يجب أن نكون واقعيين: الحساب هنا لا يجب أن يقتصر على الطفلة المستهترة، بل هناك “شركاء أصليون” في دم هذه الشابة الشقية، وهم أهل البنت المتهمة الأولى. إزاي أب وأم يسمحوا لطفلة في هذا السن وبدون رخصة بقيادة سيارة؟ هذا ليس قلة وعي، بل هو إهمال جسيم يرقى لمرتبة المشاركة المباشرة في القتل الخطأ، والتهاون بأرواح الغلابة في الشوارع.

إن الخوف الحقيقي الآن الذي يقلق الرأي العام هو أن يطل علينا محامٍ يتلمس ثغرات “السن القانوني” أو “القصر” لتخرج هذه المراهقة من القضية كالشعرة من العجين. القوانين يجب أن تقف بحسم؛ فالسن لا يمكن أن يكون مبرراً أو تذكرة مجانية للإفلات من عقاب جريمة اهتزت لها الضمائر.
ولضمان ألا تتكرر مأساة هدير، نرفع الصوت عالياً بمطالب واضحة:
محاكمة عاجلة ورادعة: للبنت وأهلها بدون أي تهاون أو الالتفات لثغرات السن.
تشريعات جنائية مغلظة: تعاقب الآباء بشكل مباشر وصارم في حال سماحهم لأطفالهم بقيادة السيارات دون السن القانوني، واعتبار هذا الإهمال بمثابة “شروع في قتل” أو “قتل خطأ مع سبق الإصرار بالإهمال”.
دم هدير البنت الشقيانة ليس رخيصاً، وحقها الذي ضاع وهي تجري وراء أكل عيشها بالحلال يجب أن يعود كاملاً لتكون هذه القضية عبرة لكل أب وأم تركوا أولادهم يفتكون بأرواح الناس في الطرقات.
إلى متى يظل الغلابة يدفعون أجسادهم وحياتهم ثمناً لاستهتار “أولاد الأكابر” وطيش المراهقين، وهل ستتحرك التشريعات لتجعل الأهل في قفص الاتهام الجنائي، أم ستظل دماء الشرفاء رخيصة في وضح النهار؟
