بقلم: رنيم علاء نور الدين
عندما يتحول السعي وراء الشهرة وهوس زيادة المشاهدات إلى دافع لتجاوز الخطوط الحمراء، نجد أنفسنا أمام ظواهر رقمية غريبة تضع أصحابها تحت طائلة القانون في لمح البصر. لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد صناعة محتوى ترفيهي، بل وصل ببعضهم الحد إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة لتزييف هويات رسمية، واقتحام عوالم لا تخصهم، ظناً منهم أن العالم الرقمي يمنحهم حصانة ضد المساءلة والعدالة.
قضية اليوم تكشف كيف يمكن للتلاعب بالتقنيات الحديثة أن يقود صاحبه من عالم “اللايكات” والمتابعات إلى ردهات التحقيق؛ حيث نجحت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية في كشف ملابسات صور شخصية جرى تداوله على أحد الحسابات بمواقع التواصل الاجتماعي، تظهر فيها فتاة بملابس “ضابطة شرطة” أثناء مشاركتها في تدريبات مزعومة، وتواجدها داخل بعض المواقع الشرطية.
وبالفحص الفني الدقيق وتتبع الحساب من قِبل الأجهزة المختصة، أمكن تحديد هوية صاحبة الحساب؛ وتبين أنها فتاة حاصلة على دبلوم فني صناعي، وتعمل بإحدى الشركات، ومقيمة بدائرة مركز شرطة ههيا بمحافظة الشرقية.
عقب تقنين الإجراءات وضبطها، واجهت الأجهزة الأمنية المتهمة بالصور المنشورة، فجاءت اعترافاتها لتزيح الستار عن لغز هذه “الضابطة المزيفة”. أقرت الفتاة بدم بارد أنها استخدمت أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة لإعداد وتصميم صور شخصية لها، تظهر خلالها مرتدية الملابس الأميرية لإيهام متابعيها بأنها تعمل في السلك الشرطي. أما الدوافع الحقيقية وراء هذه “المسرحية الرقمية”، فلم تكن سوى رغبة عارمة في جذب الانتباه، وإثارة فضول المتابعين، ورفع نسب المشاهدات على صفحتها بأي ثمن، ليتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.
إن هذه الواقعة تمثل ناقوس خطر حول مدى خطورة التلاعب بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تزييف الحقائق وانتحال الصفات الرسمية، وتؤكد في الوقت ذاته أن الأجهزة الأمنية تقف بالمرصاد لكل من يحاول استغلال السوشيال ميديا لبث معلومات أو صور مضللة تمس الهيئات الرسمية.
ومع طي صفحة هذه المغامرة الافتراضية خلف قضبان الإجراءات القانونية، يبقى التساؤل الفلسفي والناري الذي يفرض نفسه على هذا الهوس:
إلى أي منحدر مخيف يقودنا هوس المتابعات حينما يصبح “الذكاء الاصطناعي” وسيلة سهلة لتزييف الرتب وانتحال صفة حماة الوطن، وهل ستكون هذه العقوبة رادعاً كافياً لكل من يستسهل اللعب بالرموز الرسمية من أجل حفنة “لايكات”؟
