أصبح من المعتاد لمتابع أخبار منطقة الشرق الأوسط في السنوات القليلة الأخيرة أن يرى مشاهد الدماء و الجثث المتناثرة و المدن التي علاها الرماد بعد أن دُمرت و تحولت لمدن أشباح .
حروب طاحنة مُررت للمشاهدين على أنها صراعات عقائدية و صراعات أخرى على الهوية ، و الشعارات الحماسية وقود جيد يلهب مشاعر الجميع .
فتبدو الحروب و كأنها تصفية حسابات تاريخية بين أصحاب العقائد و الأيدلوجيات المختلفة .
لكن السؤال الحقيقي هو : هل فعلاً يموت الناس في غزة ، لبنان ، سوريا ، العراق ، اليمن ، و السودان دفاعاً عن أفكار مقدسة ؟ أم أن هذه الأرواح و تلك البيوت المدمرة ليست سوى ثمن يدفعه الأبرياء لتمرير مخططات إعادة رسم خرائط جديدة تخدم طرق مرور الطاقة في المنطقة ؟
التاريخ علمنا بأن الشعارات الدينية و العقائدية يمكن أن تُستخدم كشرارة لإشعال الحروب و تحريك الحشود ، و لكن المصالح المادية و المكاسب الاقتصادية هي دائماً من يحدد شروط نهاية الحرب و كيفية توزيع الغنائم .
و لأن اليوم يتشابه كثيراً مع الأمس ، فيمكن القول بأن ما نعيشه اليوم ما هو إلا حرب لإعادة رسم ممرات الطاقة و التجارة العالمية ، و بالتالي أصحاب النفوذ الإقتصادي و السياسي في القرن الواحد و العشرين .
و لكي نرى الصورة كاملة و بشكل أوضح ، دعونا نربط الخيوط و نراجع تسلسل الأحداث و نقسمها لمحطات ، لنتبين الأبعاد الحقيقية لما يجري خلفها .
البداية : حرب روسيا و أوكرانيا .
فقبل اندلاع هذه الحرب .. كان مسار السلع و الطاقة من شرق و وسط آسيا يمر براً عبر سيبيريا في روسيا ثم بيلاروسيا ثم أوكرانيا و منها إلى قلب أوروبا ، و لكن بعد غزو روسيا لأوكرانيا و الذي على أثره فرضت العقوبات الغربية على روسيا ، أصبح هذا الممر موقوفاً بالنسبة للدول و الشركات الأوروبية .
هذا الإغلاق جعل الصين ( تحديداً ) تبحث عن بديل لطريق بضائعها لأوروبا ، و هو ما زاد من أهمية ممر بديل يمر عبر آسيا الوسطى و تركيا من جهة ، و زاد أيضاً من إعتمادها على الممرات البحرية التي تمر عبر الشرق الأوسط المتمثلة في مضيق باب المندب و قناة السويس من جهة أخرى .. و هذا ما يفسر لنا انتقال الصراع و تصاعد الأحداث إلى منطقتنا لعرقلة شريان النفوذ الإقتصادي الشرقي الصاعد ، و في نفس الوقت تأمين الممرات البديلة و التي خططت لها أمريكا و حلفاءها .
ثم جاءت الخطوة الثانية : تصفية سوريا و لبنان .
فتاريخياً كانت سوريا و لبنان بوابات عبور بري و بحري من قارة آسيا إلى قارة أوروبا ، و قد سعت روسيا و إيران لبناء ممر يربطهما بالبحر الأبيض المتوسط لتجاوز الحصار المفروض عليهما من قبل الغرب ، و لكن تحطم كل هذا يتفجير مرفأ بيروت و استهداف واجهة لبنان البحرية ثم التدمير الكبير الذي لحق الإقتصاد اللبناني و الدولة اللبنانية ، بالتوازي مع إستمرار الحرب في سوريا و تأجيج الصراعات الداخلية فيها .
و هو ما يشير إلى رغبة و سعي دولي( مدعوم أمريكياً و إسرائيلياً ) لإبقاء هذه الدول في حالة شلل دائم ، فلا تمتلك قرار التحكم في ممرات الطاقة و السكك الحديدية المزعوم إنشائها .
الخطوة الثالثة و بالتوازي مع الخطوة الثانية : حرب إبادة غزة و السيطرة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط .
فبعد أن حُرمت أوروبا من صادرات الغاز الروسي كان و لابد من البحث عن البديل ، و هو لم يكن ببعيد … غاز الشرق الأوسط ( الخليج العربي و حقول الغاز المكتشفة في شرق البحر الأبيض المتوسط أمام شواطئ كل من غزة و مصر و لبنان و كذلك شواطىء الأراضي العربية التي يحتلها الكيان المجرم الإسرائيلي ) .
و من هنا ندرك تماماً لماذا أصبحت السيطرة على شواطئ غزة و لبنان هي مسألة حياة أو موت للقوى الدولية و الإقليمية معاً ، لأن ببساطة من سيسيطر على تلك الشواطئ سيمتلك مصدر الطاقة الأهم في القرن الحالي ( و هو الغاز ) و يسيطر على ممرات تصديره .
فنشهد و يشهد معنا العالم كله أكبر و أبشع حرب إبادة لشعب ، و هو شعب قطاع غزة ( القطاع هو جزء من فلسطين الأرض العربية المحتلة) و ذلك من خلال تدمير ممنهج لمعالم الحياة على الأرض ، و تهجير قسري عبر تطبيق لسياسة الأرض المحروقة بعد تحويل حياة ما يقارب من 2.5 مليون إنسان ( هم سكان القطاع المنكوب ) إلى جحيم .
فما حدث و مازال يحدث في قطاع غزة لا يمكن أن يوصف بأنه عملية عسكرية أو حرب تقليدية ، و إنما هو إخلاء للجغرافيا و تغيير ديموغرافي ممنهج للأرض .
فغزة التي تطل على شاطئ البحر المتوسط يقابل سواحلها حقول غاز ضخمة مكتشفة حديثاً و غير مستغلة ، و عليه كان يجب تأمين ذلك الساحل الغني من خلال تدمير القطاع و تهجير أهله ، لكي تمر عبره أنابيب الغاز و مشاريع الربط البحري نحو أوروبا و التي تحتاج جداً للطاقة ، دون وجود ذلك العنصر البشري الذي قد يهدد أمن إستثمارات بالمليارات .
الخطوة الرابعة : الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران و محاولة جر دول الخليج العربي .
من هنا يجب أن نتناول المشروع الذي صممته و تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية ، و هو عبارة عن ممر تجاري عملاق ينطلق من الهند و يمر عبر دول في الخليج العربي ثم يعبر الأراضي العربية التي يحتلها الكيان المجرم إسرائيل ( و هو ما يفسر تدمير و إعادة إحتلال قطاع غزة و تفريغه من سكانه .. لأن الخط جغرافياً يجب أن يمر من هناك ) ليصل بعد ذلك لأوروبا ، و كل ذلك بهدف ضرب النفوذ الصيني و الروسي الإقتصادي و السياسي في المنطقة .
و في وسط هذا الصراع الشرس .. يبرز الخطر الأكبر على دول الخليج حيث تسعى القوى الكبرى لجرها إلى حرب لا ناقة له فيها و لا جمل ، عبر استخدام أراضيه و مياهه كمنصات لحماية ممر ( الهند – إسرائيل – أوروبا ) و بذلك يضمن الغرب تدفق النفط و المال لتمويل هذا النظام العالمي الجديد.
الإنسان في الشرق الأوسط يدفع ثمن الممرات البديلة للطاقة و البضائع :
حيث تثبت كل الشواهد و التحليلات أن الكبار في العواصم البعيدة لا يتحاربون لنصرة فكرة دينية من المقام الأول أو حتى مبدأ أخلاقي ما ، بل أنهم يديرون حرب متعددة الجبهات فقط لتحديد من فيهم سيقبض ثمن عبور البضائع ، و من سيتحكم في الغاز و ممرات الطاقة في القرن الحادي و العشرين .
أما المأساة الإنسانية الكبرى و التي يعيشها الإنسان في هذا الشرق الأوسط المنكوب فلا تشغل بال أحد منهم ، و لا يُراد له إلا أن يظل سجيناً لوهم الشعارات الدينية و الأيديولوجية ، يقاتل و يموت دفاعاً عنها ، لمجرد أنه و بيته المدمر و قريته المهجرة و جثة طفله لم تكن على طاولات التخطيط للخرائط السياسية الجديدة ، و لم تكن حدود بلاده سوى خطوط يجب مسحها أو بأقل تقدير تعديلها لتأمين مسارات التجارة و الطاقة لشركات و إقتصاديات الدول الكبرى … إنها حرب ممرات بامتياز ارتدت عباءة الدين و الأيدولوجيا فقط لتبرير فظاعتها .
