في المعارك المصيرية لا تقتصر المواجهات على فرض النفوذ و السيطرة ميدانياً ، بل تمتد المعارك حتى إلى السجلات التي تثبت الوجود التاريخي و تصون الهوية الوطنية .
و قد كانت و لا تزال معركة الذاكرة هي أشد المعارك شراسة في الصراع العربي – الإسرائيلي ، و أرشفة وثائق الملكية و سجلات الأحوال المدنية تحديداً شكلت خط الدفاع الأول عن الحق الفلسطيني في أرضه التاريخية .
و منذ عام النكبة 1948 و حتى اليوم ، كان التوثيق الرسمي هو أداة حفظ للهوية الفلسطينية ، لأن من خلاله سيحفظ النسب و الأرض .
لذا فعندما بدأ التصعيد العسكري الإسرائيلي المجنون بإتجاة الفلسطينيين بشن حرب الإبادة على قطاع غزة ، و ما تواكب معه أيضاً من عمليات متفرقة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية و القدس و غيرها من أراضي فلسطين المحتلة ، كان و لابد من خطة إنقاذ عاجلة لشفرة الهوية الفلسطينية و حمايتها من خطر الضياع أو المحو .
و في عملية ملحمية لوجستية معقدة ، خاضت الأونروا معركة حفظ و تهريب ما يقرب من 30 مليون وثيقة رسمية و تاريخية ، عبارة عن سندات ملكية و أوراق ثبوتية ، في خطوة إستباقية لأجهض أي محاولات لتجريد اللاجئين من سندات ملكيتهم و مرجعيتهم القانونية و المُعترف بها دولياً .
الأونروا و درس الماضي : اجتياح بيروت سنة 1982
إبان الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في عام 1982 تعرضت الذاكرة الفلسطينية لنكسة توثيقية حادة ، إذ جرت عمليات استيلاء و نهب واسعة من أرشيف مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية ، و ضاع تحت الركام أرشيفٌ سينمائي و وثائقي يؤرخ للنضال و الحياة اليومية للفلسطيني تحت وطأة الاحتلال و اللجوء .
تلك الخسارة القاسية تحولت إلى درس تاريخي محفور في الوعي الفلسطيني المؤسسي ، و هذا ما دفع وكالة الأونروا لتنفيذ تلك العملية اللوجستية الأخيرة لنقل وتهريب 30 مليون وثيقة من غزة و الضفة أدراكاً منها لدروس الماضي ، في حماية منها للسجل المدني و التاريخي الخاص باللاجئين و ضمان ألا تسلب الذاكرة مجدداً تحت ويلات التدمير و القصف .
ما الذي يحويه أرشيف الذاكرة الفلسطيني ؟
حين أدرجت منظمة اليونسكو أرشيف الأونروا الفوتوغرافي و السينمائي ضمن سجل ” ذاكرة العالم ” ، منحت ذلك الأرشيف شهادة تعترف من خلالها بأنه شاهد حي على واحدة من أطول قضايا اللجوء في التاريخ الحديث.
تضم هذه السجلات أوراقهم الثبوتية التي تنتقل من جيل إلى جيل من اللاجئين ، و هي بهذا تعد الركيزة الأساسية لـحق العودة المعترف به دولياً بموجب القرار 194 ، و البوصلة الوحيدة التي توثّق القرى التي تم محيها و الأنساب الممتدة من بيسان و يافا و حيفا إلى أزقة المخيمات في غزة و لبنان و الأردن و سوريا و دول عربية أخرى .
و عليه .. فلم تكن التهريب مجرد نقل لمستندات حكومية بل كانت عملية إنقاذ للذاكرة الجمعية للإنسان الفلسطيني ، حيث أن الأرشيف يضم في جزء منه ” الأرشيف البصري ” و الذي يحوي :
• بطاقات التسجيل الأولى : الوثائق الصادرة إبان نكبة 1948 ، و التي تُثبت القرى و البلدات الأصلية بأسمائها الأصلية و التي هُجر منها السكان .
• سندات الملكية و سجلات الأحوال المدنية : من عقود أراضي و شهادات الميلاد و الزواج و الوفاة الممتدة عبر أربعة أجيال من التقتيل و التهجير و الصمود .
• الأرشيف البصري و التاريخي : و هو عبارة عن أكثر من 400 ألف صورة و سلايد ، و مئات من الأفلام الوثائقية و السينمائية التي تُسجّل النشأة الأولى للمخيمات و نبض الحياة الفلسطينية .
رحلة التهريب عبر 3 دول: كيف عبرت الذاكرة الحدود ؟
عملية الإجلاء و التأمين استغرقت نحو ال 10 أشهر من العمل السري و المعقد ، حيث كانت تتطلب تنسيقاً لوجستياً عالي المستوى لنقل الحمولة الأرشيفية عبر أربع محطات رئيسية :
الجمع و التعبئة تحت الإبادة : ففي قطاع غزة كانت الأوقات عصيبة ، و عملية حزم الوثائق الرسمية و الصور في صناديق خاصة و نقلها بشاحنات نحو الجنوب في رفح كانت صعبة خاصة أنها كانت تحتاج فرق متخصصة تابعة للمقر الرئيسي لوكالة الأونروا .
العبور الخفي عبر مصر : عبرت الصناديق من معبر رفح الحدودي إلى الأراضي المصرية وسط عملية حفظ و تأمين لتفادي أي تلف أو عرقلة من الجانب الفلسطيني و الذي سيطرة عليه القوات الإسرائيلية تماماً بعد بداية حرب إبادة قطاع غزة .
الجسر الجوي الأردني : تلك المرحلة تمت بالتنسيق مع الجهات الأردنية ، عبر نقل الشحنات جواً بطائرات مساعدات عسكرية من مصر إلى العاصمة الأردنية عمان.
القدس و الضفة : بالتوازي جرى نقل السجلات الحساسة الخاصة بالضفة الغربية و القدس الشرقية عبر جسر الملك حسين إلى الأردن ، و ذلك حماية لها من إحتمال أي عملية مصادرة إدارية أو إغلاق للمقرات .
الأرشفة الرقمية لتلك الوثائق و المستندات :
• اليوم تستقر هذه الوثائق في المقر المركزي للأونروا بعمّان في الأردن ، حيث تخضع لعملية حفظ و أرشفة إلكترونية مكثفة ، تحول من خلالها كل ورقة و صورة إلى قواعد بيانات مُشفّرة و موزعة على مراكز بيانات دولية
شبكات تخزين معزولة عن المخاطر الميدانية .
و الهدف من هذه الخطوة ليس فقط حماية الأوراق من التلف الفيزيائي أو الحريق ، بل إتاحتها مستقبلاً لكل أبناء الشعب الفلسطيني لربط أجيالهم ببعضها، و إثبات أصولهم و قراهم التي محت بلمسة زر .
