
بقلم : رنيم علاء نور الدين
في عام 2014، عُثر على شاب يبلغ من العمر 18 عاماً ميتاً داخل سيارته، واعتبرت الشرطة في البداية أن الحادثة مجرد انتحار.
لكن بعد أسابيع، اكتشفوا أن هناك شخصاً كان يقرده للموت خطوة بخطوة… من هنا بدأت واحدة من أغرب القضايا في تاريخ السوشيال ميديا.
بداية الحكاية والظلال الأولى
تبدأ الحكاية مع “كونراد رويّ”، مُراهق كان يُعاني من اكتئاب حاد وبيمُر بظروف صعبة؛ فوالده كان دائماً يعنفه، ولما حصل انفصال بين والده ووالدته سنة 2012، انتقل للسكن مع جده الذي كان دائماً بدوره يعنفه. ووقتهـا حاول ينتحر بس المحاولة فشلت لأنه خاف وتراجع في آخر لحظة.
وبعدها بكام شهر، اتعرف على بنت اسمها “ميشيل كارتر” من فيسبوك، عرفته من منشوراته الحزينة اللي كان بيتكلم فيها عن مدى إحساسه بالبؤس. ميشيل زي أي بنت عادية جداً، تفاصيلها بسيطة، بس برضه كانت بتمُر باكتئاب شديد فانجذب ليها فوراً. بدأ يدور بينهم كلام مفاده إنها فاهماه وحاسة بيه، وبدأ كونراد يحكي لها بالتفصيل عن حياته ومحاولاته وأفكاره الانتحارية. ونتيجة طريقة كلامها وإحساسها بيه، بدأ كونراد يميل لها ويحبها، ويشتاق لها لما يقل كلامهم شوية. ولمدة سنتين استمرت علاقتهم كده وعمرهم ما اتقابلوا ولو مرة. الموضوع كان غريب ولكنه مكمل بلا هدف غير أن ميشيل كمان كانت مكتئبة، فكانت بتحاول تشوف في رويّ مصيرها هي.
السقوط نحو الهاوية
شوية بشوية، حالة كونراد رويّ النفسية بدأت تسوء أكثر لحد شهر يونيو من سنة 2014، حين نشر كونراد مقطع فيديو بيتكلم فيه عن الاكتئاب وحالة العدمية التي أفكاره وصلت إليها؛ مبقاش قادر يكمل في حياته، وكان واضح عليه التأثُر النفسي الفظيع وأنه خلاص مبقاش قادر يقاوم.
وبعد شهر بالعدل من نشر الفيديو ده، عُثر على جثة كونراد رويّ منتحراً في سيارته! لحد هنا، قد تبدو الصورة مألوفة،
لكن المفاجأة الكبرى (Plot twist) ظهرت مع بدء التحقيقات وتفريغ المحادثات والـ Chats على حسابات كونراد، لتتضح الكارثة: حالة الاكتئاب عند رويّ كانت بتزيد والسبب هو ميشيل ذات نفسها.
المحادثات المرعبة والليلة الأخيرة
لم تكتفِ ميشيل ببث الهموم وزيادة الاكتئاب فحسب، بل كانت تشجعه بوضوح على الانتحار وتردد عليه قائلة ضمن ردودها الموثقة: “إشنق نفسك، إطعن نفسك، إقفز من بناية. لا أدري، هناك الكثير من الوسائل”. ومع كل يوم كانت حالة رويّ تزيد سوءاً، لحد ما وصلنا لليلة الأكثر رعباً.
رويّ كان راجع من شغله، ففتح الموبايل وبدأ يتكلم مع ميشيل، اللي قالت له اختصاراً كده: “لازم تُنهي حياتك النهاردة، لازم تكون راجل وتاخد موقف وقرار”.
فضّلت تضغط عليه وقدمت له خطة وطريقة إزاي يقدر ينهي حياته بشكل غير مؤلم. والأكثر غرابة وجنوناً إنها بعد ما بعتت له على الشات كل ده، كانت تأكد عليه إنه يمسح المحادثة بينهم باستمرار. لكن الواضح إن كونراد يا إما كسّل أو تعمّد يسيب المحادثة بينهم زي ما هي لتكون الدليل الدامغ.
في تلك الليلة، لما سألها إشمعنى النهاردة؟ قالت: “دلوقتي أفضل وقت عشان الناس كلها نايمة، روح عربيتك فوراً واعمل ده”.
وبالفعل، رويّ سمع كلامها، فراح عربيته وقفل بابها عليه، وشغل أنبوبة الغاز جواها وبدأ يستنشق لمدة نصف ساعة. وللحظة، خرج كونراد من العربية وهو بيختنق وتراجع عن الانتحار، فاتصل بميشيل تاني، فقالت له يرجع العربية تاني ويكمل!
فرجع مرة تانية وفضل يكلم ميشيل اللي بعد ما قفلت معاه واتأكدت أنه مات، دخلت بعتت آخر مسدج بينهم على الإطلاق في شات الفيسبوك: I love you.. انتهى.
العدالة وتبعات القضية
في سنة 2017، أُدينت ميشيل كارتر بتهمة القتل غير العمد، وحُكم عليها بالسجن سنتين ونصف، لكنها قضت فعلياً 15 شهراً فقط قبل الإفراج عنها، وأُنتج فيلم واثنان عن هذه الحادثة الشهيرة.
هذه القصة تنبهنا لأمور كثيرة جداً؛ فالسوشيال ميديا ليست الخطر الحقيقي ولا الشيء الذي يهز قيم وأخلاقيات المجتمعات،
إنما نحن “البشر” الذين جوانا وحوش مكبوتة مستخبية ورا الشاشات ومستنية أي فريسة. والحُب ليس أن نسمع بعضنا وننتشارك فحسب، بل الحُب الحقيقي أن “نهتم” ونحس باهتمام الشخص وخوفه علينا. أحياناً أخطر شخص في حياتك ليس الذي يكرهك، بل الذي يجعلك تصدق أن الحياة من غيرك ستصبح أفضل.
