
بقلم: رنيم علاء نور الدين
لم تكن الرحلة، في بدايتها، تحمل ما يوحي بأنها ستتحول بعد ساعات إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي. سيارة أوبر تتحرك في شوارع القاهرة، ركاب داخلها، وسائق يؤدي رحلة عادية، قبل أن يتغير المشهد فجأة، وتبدأ مشادة كلامية بين السائق وإحدى الراكبات.
كلمات عابرة تحولت إلى خلاف، والخلاف تحول إلى اتهامات متبادلة، ثم ظهر الهاتف المحمول كـ«شاهد صامت» على جزء من الأحداث، لتنتقل القصة من داخل السيارة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بدأ كل طرف يروي حكايته بطريقته.
وبين فيديو متداول وروايتين مختلفتين، برزت جملة واحدة تصدرت المنشورات: «هحبسهولك حبسة متتخيليهاش».
لكن ماذا حدث فعلًا داخل السيارة؟ وكيف بدأت القصة؟ ولماذا وصل الطرفان إلى قسم الشرطة؟ والأهم.. هل يكفي مقطع فيديو واحد لمعرفة الحقيقة كاملة؟
من مدينة نصر بدأت الحكاية
بحسب رواية السائق المتداولة، بدأت الرحلة من مدينة نصر، وكانت السيارة تقل فتاتين وشابًا.
كل شيء كان يسير بصورة طبيعية، حتى بدأت إحدى الفتيات، وفق روايته، في تشغيل الأغاني بصوت مرتفع داخل السيارة، مع الغناء والرقص أثناء الرحلة.
هنا تدخل السائق، وطلب منها خفض الصوت.
طلب بسيط، لكنه ـ بحسب روايته ـ لم يمر بهدوء.
قال السائق إن الفتاة ردت عليه بأنها تدفع مقابل الرحلة، وأن من حقها أن تفعل ما تريد داخل السيارة، بينما حاول هو التأكيد على أن السيارة لها ضوابط وأن من حقه الاعتراض على ما يراه مخالفًا لها.
ومن هذه اللحظة، لم تعد الرحلة مجرد رحلة.
دقائق قليلة.. والخلاف يتحول إلى مشادة
بحسب رواية السائق، ارتفعت حدة النقاش، وتحول الحوار إلى مشادة كلامية، تبادل خلالها الطرفان الاتهامات والعبارات الحادة.
ثم دخل عنصر جديد إلى المشهد: الشرطة.
ويقول السائق إن الفتاة هددته بإبلاغ الشرطة، بل واتهمته بمحاولة الاعتداء عليها.
هنا، بحسب روايته، اتخذ قرارًا رأى أنه قد يحسم الجدل لاحقًا؛ أخرج هاتفه وبدأ في تصوير ما يحدث.
لم يكن يعرف وقتها أن هذا الهاتف سيصبح بعد ذلك أحد أهم عناصر القصة المتداولة.
الهاتف الذي تحول إلى «شاهد»
السائق يقول إنه بدأ التسجيل خوفًا من أن تتحول المشادة إلى اتهام رسمي لا يستطيع إثبات عكسه.
وبحسب روايته، كانت الفتاة لا تعلم أن ما يحدث يتم تسجيله، بينما ظل الهاتف يوثق جانبًا من اللحظات التي شهدتها السيارة.
وبمرور الوقت، لم يعد الخلاف مجرد كلمات داخل سيارة تتحرك في شوارع القاهرة، وإنما أصبح كل طرف يرى أنه يملك رواية تثبت موقفه.
ثم توقفت السيارة عند محور جيهان السادات.
وهنا أخذت القصة منحنى جديدًا.
اتصال بالنجدة وعبارة تصدرت المشهد
وفقًا لرواية السائق، أجرت الفتاة اتصالًا بالنجدة، وبدأت في عرض روايتها لما حدث.
وخلال المكالمة، قال السائق إنه سمع منها عبارة أصبحت لاحقًا الأكثر تداولًا في القصة:
«هحبسهولك حبسة متتخيليهاش».
الجملة انتشرت سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى عنوان للقصة في كثير من المنشورات.
لكن خلف العبارة كانت هناك روايتان؛ سائق يقول إن الاتهامات الموجهة إليه كانت ستغير حياته لو لم يتمكن من توثيق ما حدث، وفتاة تؤكد أن ما جرى داخل السيارة لا يمكن اختصاره في ثوانٍ من الفيديو.
اتهام آخر.. والسائق يتمسك بالتسجيل
لم تتوقف رواية السائق عند الاتصال بالنجدة.
فبحسب ما رواه، اتهم الفتاة بأنها قامت بخدش نفسها، وأنها حاولت استخدام ذلك لتدعيم روايتها حول تعرضها للاعتداء.
وأكد أن هاتفه كان يسجل هذه اللحظات أيضًا.
ومن وجهة نظره، أصبح التسجيل هو العنصر الذي يمكن أن يوضح ما حدث بعيدًا عن رواية أي طرف.
لكن هذه النقطة تحديدًا لم تكن نهاية القصة، لأن الطرف الآخر كان لديه تفسير مختلف تمامًا.
الفتاة ترد: «الفيديو لا يحكي كل شيء»
في المقابل، نفت الفتاة، وفق تصريحات متداولة، أنها تعمدت ظلم السائق أو اختلاق واقعة ضده.
وأكدت أن ما يتم تداوله على مواقع التواصل لا يعكس كامل الحقيقة، وأن الفيديو المنتشر لا يظهر كل ما حدث داخل السيارة.
وبحسب روايتها، فإن تصرفاتها جاءت كرد فعل على ما تعرضت له، وأن الجمهور شاهد جزءًا من المشهد وليس القصة كاملة.
كما حذرت من تداول منشورات تتضمن إساءة أو تشهيرًا بها، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية ضد من يتعمد الإساءة إليها.
وهنا أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
إذا كان السائق يقول إن الفيديو يوثق الحقيقة، والفتاة تقول إن الفيديو مجتزأ.. فأين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي الرواية الشخصية؟
من السيارة إلى قسم الشرطة
في النهاية، لم تستمر المواجهة داخل السيارة.
انتقل الطرفان إلى قسم الشرطة، وهناك جرى التعامل مع الواقعة واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبحسب التفاصيل المتداولة، انتهى الأمر بتحرير محضر صلح بين الطرفين.
هكذا انتهت الواقعة رسميًا بالتصالح، لكن القصة لم تنتهِ على مواقع التواصل.
فالفيديو كان قد انتشر، والتعليقات بدأت، وكل طرف وجد من يدافع عن روايته.
لماذا تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام؟
ربما لأن القصة لم تعد مجرد خلاف بين سائق وراكبة.
خلال ساعات قليلة، أصبح مقطع الفيديو مادة للنقاش، وبدأ مستخدمو مواقع التواصل في محاولة إعادة بناء الأحداث من ثوانٍ مصورة وتصريحات متبادلة.
وهنا تظهر المشكلة الأهم: مواقع التواصل تستطيع أن تحول واقعة لم يشاهدها سوى عدد محدود من الأشخاص إلى قضية يتابعها آلاف وربما ملايين، قبل أن تتضح كل تفاصيلها.
وقد يرى البعض أن التسجيل دليل حاسم، بينما يرى آخرون أن أي فيديو لا يعرض بالضرورة ما سبقه أو ما تلاه.
«رمي البلا».. بين الاتهام والخوف من ضياع الحقيقة
ومع انتشار القصة، ظهرت حالة من الجدل حول خطورة الاتهامات المتبادلة، خصوصًا عندما تنتقل من مكان الواقعة إلى الإنترنت.
فالاتهام، بمجرد نشره، قد يسبق التحقيق، وقد تنتشر رواية واحدة قبل أن تتاح للطرف الآخر فرصة كاملة لعرض ما لديه.
وفي المقابل، فإن أي شخص يشعر بأنه تعرض لاعتداء أو خطر يظل من حقه اللجوء إلى الجهات المختصة وطلب الحماية والتحقيق في ما حدث.
ولهذا فإن الفيصل الحقيقي لا ينبغي أن يكون عدد المشاركات أو حجم التعليقات، وإنما الأدلة والإجراءات الرسمية.
الفيديو ليس القصة كلها
القصة التي بدأت برحلة من مدينة نصر انتهت بالتصالح داخل قسم الشرطة، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن واقع جديد أصبحت فيه كاميرا الهاتف طرفًا حاضرًا في كثير من الخلافات اليومية.
السائق رأى في التصوير وسيلة لحماية نفسه وتوثيق روايته، والفتاة رأت أن الفيديو المتداول لا يعرض ما حدث كاملًا.
وبين الروايتين، يبقى ما هو مؤكد: خلاف وقع داخل سيارة أوبر، وتصوير تم خلال الواقعة، واتهامات متبادلة، ثم انتقال الطرفين إلى قسم الشرطة وانتهاء الأمر بالتصالح.
أما التفاصيل التي لا تظهر في المقطع، وما حدث قبل بدء التسجيل وبعده، فتظل جزءًا من الصورة التي لا يمكن استكمالها بالاستنتاجات أو التعليقات وحدها.
وفي النهاية، تبقى واقعة أوبر التي أشعلت مواقع التواصل درسًا واضحًا في خطورة إصدار الأحكام من مقطع قصير أو رواية طرف واحد؛ فالفيديو قد يسجل لحظة، لكنه لا يروي بالضرورة القصة كلها.
أقرأ ايضاً : https://elmosawer.com/archives/31661
