بقلم: ناصر السلاموني
رغم تزايد عدد دول العالم المعترفة بدولة فلسطين، ورفع بعضها مستوى تمثيلها الدبلوماسي، ورغم تزايد إدراك دول وشعوب عديدة لحجم ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وتهجير ودمار، واتساع نطاق التضامن الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية، فإن المأساة لم تتوقف، بل تتخذ صورًا متعددة تمتد من غزة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية؛ من القتل والتهجير إلى هدم المنازل والاقتحامات والاستيطان والاعتقالات .
نعم، إن فلسطين اليوم ليست غزة وحدها. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمفاوضات شبه مستحيل تحقيق نتائجها بشأن وقف الحرب وترتيبات الانسحاب ونزع السلاح وإعادة الإعمار، تتواصل في الضفة الغربية والقدس وقائع ميدانية تهدد بتغيير الواقع الفلسطيني، بما يجعل القضية أكبر من هدنة أو اتفاق مؤقت؛ فهي قضية شعب وأرض وحقوق، واحتلال ما زال يفرض وقائع جديدة على الأرض.
في غزة، اصطدمت جهود التسوية المبذولة بخلاف جوهري حول آلية تنفيذ الاتفاق. فقد أعلن نتنياهو رفضه لخريطة الطريق ذات البنود الخمسة عشر، مؤكدًا أن الانسحاب لن يتم قبل نزع سلاح حماس بالكامل. ويضع هذا الموقف المتعنت الاتفاق أمام عقدة أساسية، لأن نجاح أي تسوية يتطلب التزامًا متبادلًا ومعايير واضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات، حتى لا يصبح الاتفاق رهينة لتقدير طرف واحد.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع الحديث عن ترتيبات دولية يُفترض أن تشرف على مراحل التنفيذ، بما في ذلك آليات التحقق والقوة الدولية والإدارة الفلسطينية الانتقالية. فالمطلوب ليس مجرد إعلان اتفاق، وإنما ضمان التزام جميع الأطراف بما تعهدت به، ووجود جهة مستقلة قادرة على التحقق من التنفيذ والتعامل مع أي خرق قبل أن يتحول إلى سبب لانهيار الاتفاق.
غير أن التركيز على غزة لا ينبغي أن يحجب ما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث تتواصل الاقتحامات والاعتقالات وعمليات هدم المنازل، وتتزايد اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، مما يؤثر في الواقع السكاني والجغرافي.
وتكمن خطورة الاستيطان وهدم المنازل ومصادرة الأراضي في أنها لا تمثل أحداثًا منفصلة، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل أي حل سياسي. فكل عملية تهجير، وكل منزل يُهدم، وكل أرض تُصادر أو تتحول إلى بؤرة استيطانية، تضيق معها مساحة الحل السياسي، وتزداد صعوبة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
أما القدس الشرقية، فتظل في قلب القضية الفلسطينية، ليس لمكانتها السياسية والتاريخية فحسب، وإنما لما تمثله من أهمية دينية وإنسانية تتجاوز حدود فلسطين. ويأتي المسجد الأقصى في مقدمة مصادر التوتر، مع استمرار الاقتحامات والأنشطة التي تثير مخاوف واسعة من المساس بالوضع التاريخي والقانوني، مما يجعل حماية المسجد الأقصى ليست شأنًا فلسطينيًا أو عربيًا أو إسلاميًا فحسب، بل ترتبط بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه الأراضي المحتلة والمقدسات الواقعة فيها. وأي تغيير بالقوة في الوضع القائم يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد يتجاوز حدود القدس، ويهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.
ولا يمكن أن يكتمل المشهد من دون التوقف عند ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، في ظل التقارير والتحذيرات الدولية بشأن الإعدامات والتعذيب وسوء المعاملة والظروف القاسية التي يتعرض لها الأسرى في سجون الاحتلال. وهذه الانتهاكات تستوجب تحقيقات دولية مستقلة وشفافة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الانتقائية.
وهنا تتضح الصورة الأوسع: المشكلة لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات، وإنما في محدودية الرد الدولي الفاعل عليها.
فالمجتمع الدولي يمتلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن وآليات حقوق الإنسان والمحاكم والاتفاقيات الدولية، لكنه لا يزال عاجزًا عن تحويل كثير من القرارات والإدانات إلى إجراءات قادرة على وقف الانتهاكات وحماية المدنيين وفرض احترام القانون.
ومن ثم، فإن أي تسوية في غزة لن تكون كافية إذا لم تترافق مع معالجة القضية الفلسطينية في إطارها الأشمل. فوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار خطوات ضرورية، لكنها لا تنهي الصراع إذا استمر الاستيطان والتهجير وهدم المنازل وتغيير الواقع في الضفة والقدس.
فالسلام الحقيقي لا يعني توقف القصف فقط، وإنما يعني توفير الأمن والحرية والكرامة والحقوق، وإنهاء الاحتلال وفق المرجعيات الدولية، والوصول إلى تسوية سياسية عادلة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني، وتضمن في الوقت نفسه الأمن لجميع شعوب المنطقة.
إن الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين، واتساع التضامن الشعبي العالمي معها، يمثلان تطورًا سياسيًا مهمًا، لكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى موقف عملي يحمي الأرض والإنسان ويفرض احترام القانون الدولي.
لقد حان الوقت لكي ينتقل المجتمع الدولي من إدانة الانتهاكات إلى منعها، ومن توثيق الجرائم إلى محاسبة المسؤولين عنها، ومن إدارة الأزمة إلى تحمل المسؤولية عن إنهائها.
فلسطين اليوم ليست اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، وإنما اختبار لمصداقية النظام الدولي كله؛ فإما أن يصبح القانون الدولي قوة تحمي الإنسان، أو يظل مجرد نصوص وقرارات تُقرأ بينما تتغير الأرض ويستمر النزيف.
والتاريخ لن يحاسب من ارتكب الانتهاكات وحده، بل سيحاسب أيضًا من امتلك القدرة على وقفها واختار الصمت.
