فليس كل من أحببناه يجب أن نقتحم تفاصيل حياته، وليس كل بيت فتح لنا بابه يعني أن نقيم فيه، وليس كل شخص منحنا مساحة من الود يريد أن تصبح هذه المساحة إقامة دائمة.
هناك فرق كبير بين المحبة والتطفل، وبين القرب والالتصاق، وبين أن تكون ضيفا عزيزا وأن تصبح وجودا مفروضا.
أحيانا لا يمل الناس من أشخاصنا، وإنما يملون من كثرة حضورنا، ومن تدخلنا في تفاصيلهم، ومن شعورنا بأن محبتهم لنا تمنحنا الحق في تجاوز حدودهم.
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى مساحة خاصة، يحتاج أن يغلق بابه أحيانا، وأن يكون وحده، وأن يعيش تفاصيله بعيدا عن أعين الآخرين، حتى أقرب الناس إليه.
ومن أجمل صور المحبة أن تعرف متى تقترب ومتى تبتعد، متى تتحدث ومتى تصمت، ومتى تكون موجودا ومتى تترك للآخر مساحة يتنفس فيها.
ليس معنى الآية أن نبتعد عن أحبائنا أو نتعامل معهم بجفاء، وإنما أن نحافظ على قيمة وجودنا في حياتهم. فالحضور الكثير قد يفقد الأشياء قيمتها، بينما الحضور في وقته يجعل صاحبه محل اشتياق وتقدير.
حتى العلاقات الجميلة تحتاج إلى حدود.
الصديق الذي يظل يسأل في كل صغيرة وكبيرة قد يتحول من مصدر راحة إلى مصدر ضغط. والقريب الذي يزور بلا موعد، ويتدخل في كل التفاصيل، ويعتبر الخصوصية نوعا من الجفاء، قد يكتشف بعد وقت أن كثرة وجوده جعلت الآخرين يتمنون غيابه.
وفي المقابل، هناك أشخاص نحب وجودهم لأنهم يعرفون كيف يحترمون المسافات. يأتون في الوقت المناسب، ويغادرون قبل أن نشعر بالضيق، ويسألون دون تحقيق، وينصحون دون فرض، ويحبون دون امتلاك.
اجعل وجودك خفيفًا على القلوب، ولا تجعل محبتك سببا في إرهاق من تحب.
فليست قوة العلاقة في عدد الزيارات، ولا في طول المكالمات، ولا في معرفة كل الأسرار والتفاصيل، وإنما في أن يظل بين الطرفين قدر من الاحترام والخصوصية يجعل القرب راحة لا اختناقا.
وأحيانًا يكون الابتعاد قليلا نوعا من المحبة، والصمت نوعا من الحكمة، وترك مساحة للآخر نوعا من الاحترام.
لذلك، قبل أن تطرق باب أحدهم مرة أخرى، اسأل نفسك:
هل أنا ذاهب لأنني أحتاجه، أم لأن وجودي أصبح عادة؟
هل حضوري يسعده فعلا، أم أنني أفترض ذلك فقط؟
هل أحترم خصوصيته كما أحب أن يحترم هو خصوصيتي؟
فالحكمة ليست أن تجعل الناس يعتادون وجودك، وإنما أن تجعل وجودك عزيزا حين تأتي، ومفتقدا حين تغيب.
