عقاب منزلي تحوّل إلى مجزرة عائلية

بقلم: رنيم علاء نور الدين
كان تيموثي جونز يبدو، من الخارج، نموذجًا للأب الناجح. مهندس برمجيات يتقاضى راتبًا مرتفعًا، مطلّق من زوجته أمبر، لكنه حصل على الحضانة الكاملة لأطفالهما الخمسة: ميرا (8 سنوات)، إلياس (7 سنوات)، نايثان (6 سنوات)، غابرييل (عامان)، وإيلين التي لم تكمل عامها الأول. غير أن ما كان يُخفى خلف هذا المشهد المستقر، كان رجلًا متشددًا دينيًا، سريع الغضب، يعاني اضطرابات عقلية زادتها تعاطي المخدرات، خاصة الماريجوانا الاصطناعية.
في 28 أغسطس 2014، لم تبدأ الكارثة بصراخ أو شجار كبير، بل بعطل منزلي بسيط. اعتقد جونز أن ابنه نايثان كسر قابسًا كهربائيًا داخل المنزل. قرر الأب أن يعاقبه، لكن العقاب لم يكن توبيخًا أو حرمانًا مؤقتًا، بل سلسلة من التمارين البدنية الشاقة. أجبر الطفل، ذي الست سنوات، على أداء تمارين ضغط وقرفصاء لساعات طويلة، تحت شمس القسوة، ودون شفقة.
انهار نايثان من التعب والجفاف، جسده الصغير لم يحتمل. لكن بدل أن يتوقف الأب أو يطلب الإسعاف، استمر في الصراخ والتوبيخ، حتى أسلم الطفل أنفاسه الأخيرة، ضحية إجهاد بدني قاتل. في تلك اللحظة، لم يتصل جونز بالطوارئ، ولم يطلب مساعدة، بل استسلم للذعر والجنون.
وفقًا لاعترافاته لاحقًا، شعر بأن أطفاله الآخرين سيخبرون أمهم أو السلطات بما حدث. وبدل أن يواجه الحقيقة، اتخذ القرار الأكثر وحشية: التخلص منهم جميعًا. استدعى إلياس وميرا، الطفلين الأكبر سنًا. استخدم حزامًا لخنق إلياس حتى الموت. أما ميرا، فقد توسلت إليه، وقالت بصوت طفولي مرتجف: “أبي، أنا أحبك”. لم تشفع الكلمات. خنقها بيديه العاريتين.
بعد ذلك، انتقل إلى الأصغر. خنق غابرييل، ثم إيلين، الرضيعة التي لم تعرف من الحياة سوى ذراعي قاتلها. خمس أرواح انتهت داخل منزل كان من المفترض أن يكون ملاذًا آمنًا.
لم تنتهِ الجريمة عند هذا الحد. احتفظ جونز بجثث أطفاله داخل سيارته الـSUV لمدة ثمانية أيام كاملة. وضعهم في أكياس قمامة بلاستيكية، وتنقل بهم بين ولايات عدة: كارولاينا الجنوبية، جورجيا، ميسيسيبي، وألاباما. خلال تلك الرحلة المرعبة، كان يشتري مواد كيميائية ومزيلات روائح، محاولًا عبثًا إخفاء رائحة التحلل التي بدأت تتسلل من السيارة، كأن الموت يرفض أن يُخفى.
في النهاية، ألقى بجثث أطفاله في منطقة غابات نائية بولاية ألاباما، ظنًا منه أن الجريمة ستُدفن هناك إلى الأبد. لكن الرائحة، والصدفة، كانتا أسرع منه. أوقفته الشرطة في ولاية ميسيسيبي خلال حاجز مروري للاشتباه بقيادته تحت تأثير المخدرات. اقترب الضباط من السيارة، فكانت رائحة “الموت” كافية لإطلاق الإنذار. عُثر على مواد كيميائية، وبقع دماء، وسجلات غريبة داخل المركبة.
أمام المحكمة، حاول محاموه الدفع بالجنون، مدعين إصابته بانفصام الشخصية. لكن الادعاء أثبت أن جونز كان مدركًا تمامًا لما يفعل، وأن تصرفاته اللاحقة—من شراء مواد التنظيف، والتنقل بين الولايات، والتخلص من الجثث—تدل على وعي كامل بالجريمة ومحاولة متعمدة لإخفائها.
في عام 2019، أدانت هيئة المحلفين تيموثي جونز بجميع التهم، وصدر الحكم بالإعدام. خلال المحاكمة، أدلت الأم، أمبر، بشهادة مفطرة للقلب، تحدثت فيها عن أطفال كانوا يحبون والدهم رغم قسوته. عُرضت صور غرفهم، وصور السيارة التي نُقلوا فيها بعد موتهم، فانهار بعض أعضاء هيئة المحلفين باكين، غير قادرين على استيعاب حجم الفاجعة.
لم تكن هذه القضية مجرد جريمة قتل، بل صدمة أخلاقية وإنسانية، تطرح سؤالًا موجعًا عن العنف الأسري، والمرض النفسي، وحدود الثقة حين يتحول الأب من حامٍ إلى قاتل.
فكيف يمكن لطفل أن ينام مطمئنًا، إذا كان الخطر الأكبر ينتظره داخل بيته؟




