تحقيقات

اللحظة التي تحوّل فيها الفحص الروتيني إلى مأساة

 

كتبت: رنيم علاء نور الدين

 

في صباحٍ هادئ من يوم 27 يوليو عام 2001، كان مركز ويستشستر الطبي في نيويورك يستعد ليوم عادي آخر. داخل أحد الممرات البيضاء الباردة، كانت خطوات صغيرة تتردد بخفة لطفل في السادسة من عمره، يُدعى مايكل كولومبيني، جاء مع والدته لإجراء متابعة بسيطة بالتصوير بالرنين المغناطيسي بعد جراحة في المخ.

لم يكن أحد يتوقع أن تلك الزيارة—التي كان يُفترض أن تستغرق دقائق—ستتحول إلى واحدة من أكثر الحوادث الطبية رعبًا في تاريخ المستشفى.

 

دخل مايكل غرفة الفحص بهدوء، مستلقيًا على الطاولة الرمادية، بينما يحيط به الأطباء والممرضات بطمأنينة معتادة. كان الجهاز الضخم يصدر همهمة منخفضة، والمجال المغناطيسي داخله نشطًا بالكامل، ينتظر فقط بدء التصوير. لم تكن هناك أي علامة على الخطر… ولا حتى تلميح صغير لما سيحدث بعد لحظات.

 

وبينما كانت الاستعدادات الأخيرة تُجرى، ظهرت ممرضة تحمل خزان أكسجين محمول مصنوع من الفولاذ. لم يدُر ببالها—أو ربما لم تُدرَّب جيدًا—أن هذا الجسم المعدني لا يجب أن يقترب لمسافة متر واحد من جهاز الرنين المغناطيسي.

كانت العتبة على بعد خطوة… والخطر على بعد ثانية واحدة.

 

ما إن عبر الخزان الباب، حتى حدث ما يشبه الانفجار الصامت.

في لحظة خاطفة، انتزع المغناطيس الهائل الأسطوانة من يد الممرضة بقوة تشبه قوة سحب محرك طائرة.

تحولت الأسطوانة الثقيلة إلى قذيفة معدنية طائرة، اندفعت بسرعة قاتلة عبر الغرفة، مخترقة الهواء مثل رصاصة لا يمكن إيقافها.

 

قبل أن يتمكن أحد من الاستيعاب، اصطدم الخزان مباشرة بجمجمة مايكل.

الضربة كانت عنيفة لدرجة أن بعض أفراد الطاقم اعتقدوا في البداية أن جهاز الرنين نفسه قد تحطم.

 

ارتبكت الغرفة.

كان المغناطيس ما يزال يعمل، يستمر في جذب أي معدن بقوة جنونية، مانعًا الجميع من الاقتراب. لم يكن هناك زر إيقاف طارئ فعال… فقط عملية معقدة تستغرق وقتًا بينما كان الزمن ينفد على الطفل الصغير.

 

بعد محاولات مضنية، تمكن الفريق الطبي من سحب مايكل بعيدًا، ونقله إلى وحدة الصدمات. كانت إصابته بالرأس بالغة، خطيرة إلى حد أن الأطباء، رغم محاولاتهم المستميتة، أدركوا سريعًا أن فرص النجاة تكاد تكون معدومة.

وفي المساء نفسه… أسلم مايكل روحه.

 

التحقيقات لاحقًا كشفت سلسلة طويلة من الإهمال:

باب الجناح لم يكن مُحكمًا، خزان أكسجين غير متوافق مع بيئة الرنين المغناطيسي، تدريب غير كافٍ للعاملين، وتحذيرات سابقة من جهات رقابية بشأن ضعف بروتوكولات السلامة داخل المستشفى.

 

دفعت المستشفى ملايين الدولارات في تسويات القضية، وفقد طبيب التخدير رخصته، وتمت إعادة كتابة معايير سلامة الرنين المغناطيسي في أمريكا كلها بسبب ما حدث لمايكل… الطفل الذي دخل لفحص روتيني وخرج محمولًا بلا حياة.

 

سؤال النهاية:

كيف يمكن لمكان يُفترض أنه آمن بالكامل… أن يصبح قاتلًا بسبب خطأ واحد فقط؟

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى