تحقيقات

طفلة في الخزانة… كيف قادت كذبة بلاغ إلى كشف جريمة أمومة زائفة

 

 

بقلم: رنيم علاء نور الدين

 

بدأت الحكاية في صباح السادس من نوفمبر عام 2019، عندما التقطت شرطة جاكسونفيل مكالمة طوارئ بدت في ظاهرها اعتيادية، لكن نبرتها المرتعشة حملت شيئًا مريبًا. على الخط كانت بريانا وليامز، ضابطة صف في البحرية الأمريكية، تزعم أن ابنتها ذات الخمس سنوات، تايلور، اختفت فجأة من غرفتها، وأنها استيقظت لتجد باب المنزل الخلفي مفتوحًا على مصراعيه، وكأن مجهولًا تسلل في الليل وسرق طفلة من فراشها.

 

بلاغ بدا متماسكًا في الدقائق الأولى، لكن سرعان ما بدأت خيوطه تتفكك تحت أسئلة المحققين البسيطة. متى كانت آخر مرة شوهدت فيها الطفلة؟ سؤال كفيل بإسقاط القناع. لم يرها الجيران منذ شهور، المدرسة لم تسجل حضورها منذ زمن، وحتى أجدادها لم تقع أعينهم عليها منذ عام كامل. هنا، لم تعد القصة عن اختفاء مفاجئ، بل عن غياب طويل حاولت الأم دفنه خلف مكالمة هاتفية.

 

مع دخول فرق البحث إلى الشقة، لم يجدوا آثار حياة طبيعية لطفلة في الخامسة. المكان كان أقرب إلى مسرح جريمة صامتة: بقع دماء متناثرة في ستة مواقع مختلفة، ملابس أطفال ممزقة، فضلات بشرية، وعلب طعام فُتحت بطريقة بدائية، توحي بأن طفلة كانت تُترك وحيدة، تصارع الجوع والعتمة داخل خزانة مغلقة، بعيدًا عن أعين العالم.

 

الشك تحول إلى يقين عندما قادت إشارات هاتف بريانا المحققين إلى غابات نائية في ولاية ألاباما. هناك، وسط الأشجار الكثيفة، عُثر على ما تبقى من جسد تايلور. لم يكن جسدًا كاملًا، بل بقايا لا تتجاوز 10% من العظام، تحمل آثار سوء تغذية حاد وأمراض ناتجة عن إهمال طويل، كأن الطفلة كانت تموت ببطء، يومًا بعد يوم، دون أن يسمع أحد صراخها.

 

وفي غرفة التحقيق، حين واجه المحققون بريانا بخبر العثور على الجثة، انهار ما تبقى من تمثيل. لم تنطق باعتراف، لكن جسدها سبق لسانها؛ انحنت فجأة وتقيأت في مشهد وثقته الكاميرات، لحظة بدت وكأن الحقيقة خرجت قسرًا من داخلها، بعدما أثقلتها أسرار لم تعد قادرة على حملها.

 

انتهت هذه المأساة رسميًا في عام 2023، عندما وقفت بريانا وليامز أمام القاضي لتسمع حكمها بالسجن مدى الحياة. لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحكم، بل تحولت قضية تايلور إلى رمز لطفولة عاشت في الخفاء، وعانت في صمت، ثم رحلت دون أن تجد من يحميها، لتبقى صرخة مدوية في وجه أنظمة حماية الطفل التي لم تنتبه إلا بعد فوات الأوان.

 

فكم من طفلٍ آخر يعيش العذاب نفسه خلف أبواب مغلقة، دون أن يسمع أحد استغاثته؟

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى