عكس الاتجاه… طريق قصير إلى الموت في الشرقية

بقلم: رنيم علاء نور الدين
لم يكن الطريق في ذلك اليوم يحمل أي نذر بالخطر. سيارات عابرة، حركة اعتيادية، وأرواح لم تكن تعرف أن دقائق قليلة تفصلها عن النهاية. على طريق «ميت حمل الجوسق» بمحافظة الشرقية، تحوّل خطأ واحد خلف عجلة القيادة إلى مأساة كاملة الأركان، حصدت أربعة أرواح وخلّفت أربعة مصابين بين الحياة والموت.
في أكتوبر من العام الماضي، تلقّت الأجهزة الأمنية بالشرقية إخطارًا بوقوع تصادم عنيف بين سيارتين، بعد أن قرر أحد السائقين اختصار الطريق بالسير عكس الاتجاه، متجاهلًا قواعد المرور وكل التحذيرات. لم تمر لحظات حتى دوّى صوت الاصطدام، لتتحول السيارات إلى كتل حديدية مشوهة، وتتساقط الضحايا على الأسفلت.
اللواء عمرو رؤوف، مدير أمن الشرقية، وجّه على الفور بتكثيف التحركات الأمنية، وانتقلت قوات الشرطة إلى موقع الحادث بإشراف اللواء محمد عادل، مدير المباحث الجنائية. سيارات الإسعاف كانت أول الشهود على المشهد القاسي، وهي تنقل الجثامين والمصابين إلى مستشفى بلبيس المركزي، فيما عملت القوات على رفع آثار الحادث وإعادة تسيير الحركة المرورية، وكأن الطريق يحاول إخفاء ما جرى فوقه قبل دقائق.
داخل أروقة المستشفى، أُعلن مصرع أربعة أشخاص، بينما خضع أربعة آخرون للعلاج من إصابات متفرقة، بعضها وُصف بالخطير. وفي الخلفية، بدأت التحقيقات تكشف أن الإهمال والتخطي الخاطئ كانا العامل الحاسم في هذه الفاجعة.
النيابة العامة باشرت التحقيق، وقررت انتداب الطب الشرعي لفحص الجثامين وبيان أسباب الوفاة، مع التصريح بالدفن، إلى جانب تكثيف تحريات المباحث للوقوف على تفاصيل الحادث ومسؤولية السائق المتهم.
وبعد تداول القضية أمام محكمة جنح مستأنف بلبيس والعاشر من رمضان، أسدل الستار على فصولها بحكم قضائي صارم، حيث قضت المحكمة بمعاقبة السائق المتسبب في الحادث بالسجن لمدة 10 سنوات، برئاسة المستشار السيد الشنوفى، وعضوية المستشارين أمير الوكيل وعمرو فتحي، وأمانة سر حسام رجب، في رسالة واضحة بأن الطريق ليس ساحة للاستهتار، وأن الخطأ خلف المقود قد يساوي عمرًا كاملًا خلف القضبان.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل حكم وكل مأساة مشابهة: كم روحًا أخرى يجب أن تُزهق على الطرق قبل أن يدرك بعض السائقين أن عكس الاتجاه هو عكس الحياة نفسها؟




