إياد.. صرخته الأخيرة داخل المدرسة

كتبت / رنيم علاء نور الدين
في صباح يوم بارد، ارتدى إياد زيه المدرسي، وحمل حقيبته الصغيرة، وخرج من بيته بخطوات واثقة وصوت خطواته الخفيف يرافقه كأنها موسيقى صباحية. الشمس كانت تلقي خيوطها على الحي، وأمه ابتسمت له وهي تودعه، لا تدري أن هذه الابتسامة لن تراها بعد اليوم إلا في ذكريات مؤلمة.
إياد، الطفل الذي لا يعرف الخوف، كان ممتلئًا بالفضول والبراءة. يحب الدراسة، يحب اللعب الهادئ، والجلوس على مقاعده وكأن الكتب كنوز ثمينة. كان مثالًا للانضباط، ولطفه مع أصدقائه يترك أثرًا دافئًا في قلوبهم. ذلك الصباح، سار في فناء المدرسة الكبير، يتبع أصوات زملائه، ويضحك على نكتة صغيرة، متوهمًا أن كل شيء طبيعي، وأن حياته آمنة بين أسوار المكان الذي يفترض أن يحميه.
لكن الفناء الكبير كان مزدحمًا بالحركة: الأطفال يركضون، بعضهم يصرخ فرحًا، بعضهم يندفع نحو الحافلات، بينما صوت المحركات وصدى خطوات الأقدام يختلط مع ضجيج الصياح. ولم يكن هناك مشرف يحمي الأطفال من الفوضى، ولا أي شخص ينظم حركة الباصات، التي تتزاحم بين الصفوف الصغيرة.
اندلع مزاح صغير بين إياد وصديقه، دفعة عابرة، ولم يكن أحد يتخيل أنها ستكون الدفعة الأخيرة في حياة طفل بريء. وقع إياد على الأرض، ولم يدرك أحد أنه سقط تحت عجلات الباص المدرسي الذي بدأ بالتحرك ببطء دون مراقبة.
لحظة، صمت رهيب. صراخ الأطفال امتزج بالدهشة، بينما قلب كل من كان هناك يتوقف عن النبض. ثوانٍ قليلة، لكنها كافية لتنهش البراءة، لتسلب الحياة من طفل لم يعرف إلا الطاعة والهدوء والبراءة.
وصلت الشرطة بسرعة، فرضت كردونًا حول المكان، والمعلمات يحاولن تهدئة الأطفال، لكن الصدمة كانت كبيرة جدًا. الكاميرات كانت شاهدة على كل لحظة، النيابة باشرت التحقيق، وتم جمع الشهادات، لكن الأثر النفسي، الصرخات، والدموع، بقيت محفورة في المكان.
تروي والدته المشهد بصوت مكسور: «سلمت ابني للمدرسة باعتبارها المكان الآمن. لم أتصور يومًا أن أستلمه جثة هامدة. لم يكن هناك إشراف، ولا تنظيم، ولا أي أمان. السائق تحرك دون النظر، وابني تحت عجلاته… أين كان كل من يفترض أن يحميه؟»
وتضيف الأم، وهي تمسك رأسها بيديها: «في اليوم التالي، فجأة ظهرت إجراءات تنظيم الباصات كما لو أن المدرسة استيقظت على حادثة إياد فقط. الباصات تابعة لشركة خاصة، والسائق مسن جدًا… 72 أو 75 عامًا، كيف يمكن أن تسلم أرواح الأطفال لرجل بهذه القدرة المحدودة على رد الفعل؟»
كل كلمة من الأم تحفر صورة في ذهن القارئ: براءة الطفل، صوت الضحكات المفقودة، صمت الفناء بعد الصراخ، الدماء على الأرض، وقلوب الأطفال الصغيرة التي شهدت الرعب.
وتختم الأم حديثها: «هدفي ليس الانتقام، هدفي حماية بقية الأطفال. إياد لن يعود، لكن يمكن أن نتعلم من مأساة وفاته. يجب أن يعرف الجميع أن الفوضى والإهمال قد يقتلان أرواحًا بريئة في لحظة واحدة.»
وفي قلب هذا الفناء الكبير، وبين صرخات الأطفال والصمت المطبق، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول وكل ولي أمر:
كم من حياة بريئة ستزهق قبل أن يصبح سلامة الأطفال أولوية حقيقية؟




