فن ومشاهير
أخر الأخبار

سحر” كان” بين الحقيقة والتمثيل في عيون السينما

 

كتبت : مريم مصطفى 

 

يظل مهرجان كان السينمائي واحدًا من أبرز وأهم الأحداث السينمائية في العالم، ليس فقط لكونه منصة لعرض الأفلام العالمية والتنافس على السعفة الذهبية، بل لأنه تحول عبر السنوات إلى ظاهرة بصرية وثقافية تتغذى على نفسها.

 

 فالمهرجان لا يكتفي بعرض السينما، بل أصبح موضوعًا لها أيضًا، حيث تغري أجواؤه المخرجين وصناع المحتوى بتحويله إلى مسرح حي للأحداث والدراما.

 

منذ انطلاقه عام 1946 في مدينة كان على الساحل الجنوبي لفرنسا، سعى المهرجان إلى ترسيخ مكانته كرمز للفن السابع، لكن ما حدث لاحقًا تجاوز هذا الهدف.

 

 تحوّل الحدث إلى عرض مفتوح يجمع بين الواقع والخيال، حيث تختلط مشاهد السجادة الحمراء بلقطات الكاميرات، ويصبح النجوم جزءًا من عرض مستمر لا ينتهي بانتهاء الفيلم.

 

واحدة من أبرز الظواهر المرتبطة بالمهرجان هي ولعه برؤية نفسه على الشاشة.

 

 فهناك عشرات الأعمال التي استلهمت أجواءه أو اتخذته خلفية لأحداثها، مثل فيلم Mr Bean’s Holiday للنجم Rowan Atkinson، والذي قدّم صورة ساخرة للمهرجان من خلال مواقف كوميدية عبثية داخل وخارج قصر العروض.

 

 لم يكن هذا العمل مجرد كوميديا، بل كان انعكاسًا لطبيعة كان نفسه، حيث الفوضى المنظمة والاهتمام المفرط بالصورة.

 

ولا يقتصر الأمر على الكوميديا، بل يمتد إلى الأعمال الدرامية والساخرة التي تناولت المهرجان كفضاء مليء بالتناقضات. 

من بين هذه الأعمال فيلم “An Almost Perfect Affair” الذي صدر عام 1978، والذي تناول كواليس العلاقات الإنسانية والصراعات داخل أروقة المهرجان، كاشفًا عن الجانب الخفي خلف البريق.

 

 كذلك فيلم “Femme Fatale” للمخرج Brian De Palma، الذي استخدم أجواء كان كخلفية لقصة مليئة بالغموض والخداع.

 

أما في السنوات الأخيرة، فقد عاد المهرجان ليكون مصدر إلهام للأعمال التلفزيونية، خاصة مع اختيار الموسم الرابع من مسلسل The White Lotus لتصوير أحداثه داخل أجواء كان. 

 

هذه الخطوة تعكس استمرار جاذبية المهرجان كمساحة درامية غنية، حيث يمكن دمج الواقع بالخيال في قالب واحد، مستفيدًا من وجود نجوم عالميين وأحداث حقيقية تحدث بالتزامن مع التصوير.

 

اللافت في تجربة كان هو مرونته غير المتوقعة.

 

 فعلى الرغم من سمعته كمكان تحكمه القواعد الصارمة والبروتوكولات الدقيقة، إلا أنه يفتح أبوابه أحيانًا أمام مشاريع غير تقليدية. 

 

وهذا الانفتاح يسمح لصناع المحتوى بالتصوير في أماكن متعددة داخل المدينة، من الشواطئ إلى الفنادق الفاخرة، وحتى داخل قصر المهرجانات، ما يمنح الأعمال طابعًا واقعيًا يصعب تحقيقه في مواقع أخرى.

 

ومع ذلك، يبقى هناك جانب آخر أكثر تعقيدًا. فالمهرجان، رغم انفتاحه، يظل مساحة للنخبة، حيث يتم اختيار نسبة صغيرة جدًا من الأفلام للمشاركة في المسابقة الرسمية، وهو ما يعزز صورته كمؤسسة شبه مقدسة في عالم السينما. 

 

وهذا التناقض بين الانفتاح والانتقائية يخلق حالة فريدة تجعل من كان بيئة مثالية للسخرية والتحليل الفني.

 

في هذا السياق، يمكن النظر إلى المهرجان كـ”مرآة ضخمة”، تعكس ليس فقط الأفلام، بل أيضًا صناعة السينما نفسها، بما تحمله من طموحات وصراعات.

 

 فعندما يجلس النجوم على السجادة الحمراء، فهم لا يروّجون فقط لأعمالهم، بل يشاركون في عرض أكبر، حيث تصبح كل حركة وكل لقطة جزءًا من قصة مستمرة.

 

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التداخل بين الواقع والخيال، فيلم “The Last Horror Film” الذي صدر عام 1982، والذي تم تصويره بشكل شبه سري داخل المهرجان، دون تصاريح رسمية.

 

 هذا العمل قدّم رؤية مختلفة تمامًا، حيث صوّر كان كمساحة فوضوية ومليئة بالمظاهر الزائفة، ما جعله أقرب إلى نقد مباشر لصناعة النجومية.

 

ولا يمكن الحديث عن كان دون الإشارة إلى رمزيته الثقافية.

 فقد أصبح المهرجان يشبه، في نظر البعض، طقسًا سنويًا أشبه بالاحتفالات الكبرى، حيث يتجمع الآلاف من صناع السينما والنقاد والجمهور لمتابعة أحدث الإنتاجات.

 

هذه الطقوس، من صعود السلالم إلى التصفيق داخل القاعات، تضيف بعدًا احتفاليًا يجعل من الحدث تجربة متكاملة تتجاوز مجرد مشاهدة الأفلام.

 

وفي النهاية، يظل مهرجان كان أكثر من مجرد مناسبة سينمائية.

 

 إنه مساحة تتقاطع فيها الحقيقة مع التمثيل، ويتحول فيها الواقع إلى مادة درامية بحد ذاته.

 

 وربما لهذا السبب تحديدًا، يستمر المهرجان في جذب صناع الأفلام الذين يسعون إلى التقاط هذا السحر الفريد، ومحاولة إعادة تقديمه على الشاشة، كلٌ بطريقته الخاصة.

Rabab khaled

رباب خالد المدير التنفيذي لموقع المصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى