
بقلم : رنيم علاء نور الدين
في مدينة هادئة بالإسماعيلية، بدأت القصة كأي حكاية انتظار عادية لامرأة شابة تستعد لاستقبال طفلها الأول. لم تكن تتوقع الأسرة أن اللحظة التي يفترض أن تُكتب فيها الحياة، ستتحول إلى بداية طريق طويل انتهى بالموت بعد 11 يومًا من الغيبوبة داخل أحد المراكز الطبية بقرية أبو عطوة.
ماريهان السيد دخلت غرفة العمليات وهي تحمل حلمًا بسيطًا وواضحًا: أن تخرج من الباب الآخر وهي أم. لكن بعد دقائق من الولادة، بدأ مسار مختلف تمامًا، لم يُكتب له أن ينتهي بفرحة، بل بتدهور مفاجئ في حالتها الصحية، انتهى بدخولها في غيبوبة داخل العناية المركزة، دون أي استجابة طوال الأيام التالية.
ووفق ما تم تداوله من تفاصيل طبية أولية، فإن المؤشرات الأولى للأزمة بدأت داخل غرفة العمليات، مع الاشتباه في بقاء جزء من المشيمة داخل الرحم، ما أدى إلى مضاعفات خطيرة تطورت سريعًا إلى تسمم في الدم، ثم فقدان كامل للوعي، لتبدأ رحلة قصيرة بين الحياة والموت انتهت بالوفاة.
لكن ما يجعل القصة تتجاوز كونها حالة طبية مأساوية، هو ذلك الصمت الذي يحيط بها منذ اللحظة الأولى… صمت أسرة كانت تتابع نبض ابنتها على الأجهزة، بين أمل يتآكل يومًا بعد يوم، وواقع يقترب من نهايته دون قدرة على التغيير.
وفي الوقت نفسه، خرج الطفل إلى الحياة في اللحظة ذاتها التي بدأت فيها الأم في الانسحاب منها، في مشهد لا يحتاج إلى وصف كثير بقدر ما يحتاج إلى وقفة طويلة أمام معناه القاسي.
القضية هنا لا تتوقف عند حدود خطأ طبي يُناقش على مواقع التواصل، ولا عند مركز طبي بعينه، لكنها تفتح بابًا أوسع وأكثر إيلامًا: ما الذي يحدث داخل بعض غرف الولادة؟ وكيف تتحول لحظة يفترض أنها آمنة ومألوفة إلى بداية انهيار كامل؟
الأخطر أن هذه القصة – رغم قسوتها – ليست معزولة تمامًا، بل تأتي ضمن سياق أوسع من روايات متفرقة تُغلق غالبًا داخل ملفات طبية أو تُختصر في كلمة واحدة: “مضاعفات”.
لكن خلف هذه الكلمة، تبقى أسر كاملة تدفع الثمن وحدها، بلا إجابات واضحة، ولا رواية مكتملة، ولا مساءلة تُعيد ترتيب الصورة.
ومع انتشار قصة ماريهان، لم يعد السؤال طبيًا فقط، بل أصبح إنسانيًا ومجتمعيًا في آن واحد:
هل ما يحدث داخل بعض غرف العمليات مجرد أخطاء فردية… أم أن هناك خللًا أعمق لا يظهر إلا عندما تنطفئ كل المحاولات؟
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر قسوة بلا إجابة:
كم “ماريهان” أخرى يجب أن نسمع عنها، قبل أن نفهم ما الذي يحدث فعلًا خلف أبواب غرف الولادة المغلقة؟



