بقلم :رنيم علاء نور الدين
لم يكن الشارع ضيقًا لدرجة تجبر تلك الشاحنة البيضاء على الالتصاق بالرصيف، ولم يكن هناك عائق مروري واحد يدفع السائق لـ”الحيد” عن مساره في هذا الحي الهادئ بمدينة المنصورة. لكن التدقيق في حركة السيارة يكشف تحولاً مفاجئًا وصريحًا في زاوية القيادة؛ انحرافٌ متعمد وموجه بدقة نحو النقطة الزاوية التي انكمش فيها الجسد الضعيف مستجيرًا بجدار المنزل. السيارة لم تضل طريقها، بل اختارت هدفها بعناية.
غريزة التفادي الغائبة.. اندفاع بلا كوابح
في عالم قيادة السيارات، ثمة “ثانية ذهبية” تُسمى غريزة التفادي؛ حيث يضغط السائق على المكابح تلقائيًا أو يميل بعجلته بعيدًا عن الخطر عند ظهور أي كائن فجأة. في هذا المشهد، غابت الغريزة وحضر الإصرار. الشاحنة حافظت على سرعتها الاندفاعية في أحد شوارع المنصورة، ولم تضئ كشافات المكابح الخلفية، ولم يتردد السائق لجزء من الثانية. هذا الثبات على السرعة والمسار يُسقط فرضية “المفاجأة” ويؤكد “النية المبيتة”.
لغة الجسد.. برود ما بعد العاصفة
الشرارة الأخيرة التي تقطع الشك باليقين تظهر في اللحظات التي تلت الواقعة. عند توقف الشاحنة وترجل مستقليها، لم تظهر على وجوههم علامات الصدمة، ولم يلتفت أحدهم للخلف بلهفة المتفاجئ أو النادم. الحديث الهادئ، والوقفة المسترخية بجوار السيارة، وملامح الوجه الخالية من أي انفعال، كلها مؤشرات سلوكية تعكس رضا تامًا عما حدث، وكأن الأمر خطة نُفذت بنجاح لا حادثة عابرة تثير الندم في قلب المدينة.
خلاصة التحقيق:
المشهد ليس مجرد طيش قيادة، بل هو توثيق حي لـ”سلوك عدواني موجه”. استخدام آلة حديدية تزن أطنانًا لترويع أو إيذاء كائن أعزل لا يملك حق الشكوى، يضع هذه اللقطات، وتلك اللوحة المعدنية الواضحة، وصور الوجوه الهادئة، في خانة واحدة: بلاغ مصور من قلب المنصورة ينتظر العدالة.
