
بقلم / رنيم علاء نور الدين
في البداية، لم يكن الفيديو يحتاج أكثر من ثوانٍ قليلة ليزرع الخوف داخل قلوب الآلاف. طفل صغير، حالة ارتباك، وأشخاص يحاولون اصطحابه وسط صرخات واستغاثات، ليبدأ سيل التعليقات الغاضبة والتحذيرات التي اجتاحت مواقع التواصل، وسط مطالب بسرعة القبض على المتورطين فيما اعتبره الجميع «محاولة اختطاف مكتملة الأركان».
المشهد انتشر بسرعة هائلة، وتحول اسم الإسكندرية خلال ساعات إلى عنوان للقلق والخوف، خاصة مع تزايد الحديث مؤخرًا عن جرائم خطف الأطفال، وهو ما جعل كثيرين يتعاملون مع الفيديو باعتباره دليلاً جديدًا على كارثة حقيقية.
لكن مع دخول الأجهزة الأمنية على خط التحقيق، بدأت تفاصيل أخرى تظهر، تفاصيل قلبت الرواية بالكامل.
التحريات كشفت أن الواقعة لم تكن عملية خطف منظمة كما اعتقد البعض، بل مجرد خلاف عائلي معقد خرج عن السيطرة وتحول إلى مادة مرعبة على السوشيال ميديا. البداية كانت عندما تقدمت سيدة ببلاغ رسمي تتهم فيه زوج شقيقة زوجها بمحاولة اصطحاب طفلها البالغ من العمر 7 سنوات أثناء لعبه أمام منزل خاله بمنطقة المنتزه في الإسكندرية.
ومع التوسع في الفحص، تبين أن الأم كانت قد تركت منزل الزوجية بسبب خلافات أسرية، وانتقلت للإقامة لدى شقيقها، بينما حاول الأب الذهاب لرؤية طفله والاطمئنان عليه، قبل أن يتحول المشهد بالكامل إلى حالة من الفوضى وسوء الفهم أمام المارة والكاميرات.
المفاجأة الأكبر جاءت داخل قسم الشرطة، بعدما حضر الأب والأم وبرفقتهما الطفل الذي كان بحالة جيدة تمامًا، لتؤكد الأم بنفسها أن ما حدث لم يكن محاولة اختطاف بالمعنى المتداول، بل نتيجة تصاعد الخلافات العائلية بين الطرفين.
ومع الساعات الأخيرة من التحقيقات، تراجع الطرفان عن الاتهامات المتبادلة، وأعلنا رغبتهما في التصالح حفاظًا على مستقبل الطفل، لتغلق وزارة الداخلية الملف رسميًا بعد إثبات الصلح بين الأسرة.
ورغم انتهاء الأزمة، إلا أن الفيديو ترك خلفه عشرات الأسئلة حول سرعة تداول الشائعات، وكيف يمكن لمشهد واحد ناقص التفاصيل أن يشعل حالة من الذعر في بلد كامل خلال دقائق.
فهل أصبحت السوشيال ميديا تحاكم الوقائع قبل ظهور الحقيقة؟ وهل يكفي مقطع فيديو قصير لصناعة حالة خوف جماعي بين الناس؟




