
تم إطلاق مصطلح الطبق الساخن “Hot Plate” من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في أوائل عام 1973، وبدأت القصة عندما طلبت مجموعة التخطيط في هيئة عمليات القوات المسلحة من الرئيس السادات، أثناء إعداد خطة حرب أكتوبر، أن يعاونهم في خداع العدو الإسرائيلي بأن مصر لن تحارب.
وبالفعل قام الرئيس السادات بطلب من حافظ إسماعيل مستشارة الأمن القومي أن يتصل بوزير الخارجية الأمريكي انذاك هنري كيسنجر، ويطلب منه مقابلة هامة وسريعة على العشاء بعيدًا عن اللقاءات الرسمية في مكاتب وزارة الخارجية. وفي البداية سأل هنري كيسنجر حافظ إسماعيل: ما سبب هذا اللقاء؟
وجاء الرد: نحن نريد أن نبحث الموقف على جبهة القتال في قناة السويس، لأننا الآن في مصر منذ ست سنوات نعيش حالة لا حرب ولا سلم، وما زالت إسرائيل تحتل سيناء، وقناة السويس متوقفة، والموقف متجمد تمامًا. ونحن ننتظر منك يا كيسنجر أن تتدخل لحل هذه المشكلة، وأنت الذي سبق لك التدخل في حل مشكلة خروج أمريكا من مستنقع فيتنام، وحصلت على جائزة نوبل للسلام بسبب ذلك.
وبالفعل تم ترتيب هذا اللقاء في نيويورك، في أحد المطاعم الشهيرة. ويومها ذهب وزير الخارجية هنري كيسنجر إلى المطعم مبكرًا، وطلب قائمة الطعام، واختار طبق “New York Steak”، وهو من أشهر الأطباق الأمريكية في ذلك الوقت، خاصة من ناحية الطعم والشهرة. وأوصى كيسنجر من يقدم الطعام بأنه بعد تسوية الأطباق يتم إدخال طبق الضيف المصري إلى الثلاجة.
وعند وصول حافظ إسماعيل أبلغه أنه اختار له الطبق مقدمًا، وهو “New York Steak”، وبالطبع رحب الضيف المصري باختيار هذا الطبق الشهير. وبدأ حافظ إسماعيل يشرح للوزير الأمريكي أن الموقف على الجبهة المصرية متجمد، وأن قناة السويس متوقفة عن العمل، وأن الدولة المصرية ليست في حالة حرب أو سلم، وأن الرئيس السادات يطلب معاونته لحل هذه المشكلة، وأنه صاحب الحلول في الأزمات العالمية، وأنه لو تم حل هذه المشكلة فإنه قد يحصل على جائزة نوبل للمرة الثانية عندما يتحقق السلام بين مصر وإسرائيل، وتنسحب إسرائيل من سيناء، ويتم فتح قناة السويس للملاحة العالمية.
وفي هذا التوقيت دخل من يقدم الطعام ووضع الطبق أمام حافظ إسماعيل، فوجد أن الطعام بارد. وهنا تدخل كيسنجر وقال له: “يا عزيزي، هذا الطبق لا يمكن أن يؤكل لأنه بارد، وهذا ما يحدث عندكم في مصر، فالمنطقة تحتاج إلى طبق ساخن… “Hot Plate””.
وأضاف:”أنا أرى أن المنطقة يجب أن تسخن، وأن تشتعل العملية على ضفاف القناة، طالما الأمور باردة فلن تُحل”.
وهنا عاد حافظ إسماعيل إلى السادات، وأبلغه أن كيسنجر يريد أن تصبح العملية “طبقًا ساخنًا”، أي أن تشتعل الجبهة المصرية الإسرائيلية وأن تهاجم مصر إسرائيل حتى تسخن المنطقة ويبدأ التحرك السياسي.
فضحك السادات وقال: “الحمد لله… لقد ابتلع كيسنجر الطعم”.
وبالفعل طلب حافظ إسماعيل لقاءً آخر مع كيسنجر، وكان اللقاء هذه المرة في باريس على ما أعتقد، وأبلغه أن السادات يطلب إيجاد حل، لأنه لا يمكن أن يكون لدينا “طبق ساخن” على ضفاف قناة السويس، لأن الروس رفضوا إمداد مصر بالأسلحة الهجومية لبدء الحرب، ولذلك فإن السادات طرد الخبراء الروس ولم يعد لدينا خبراء، وليست لدينا فرصة للحصول على سلاح هجومي منهم.
وقال له: ” “لذلك نطلب منك يا كيسنجر أن تحل المشكلة بدون الطبق الساخن”.
وبعدها أبلغ كيسنجر جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، وقال لهم: “اطمئنوا… السادات لن يهاجم”.
ولذلك عندما جاء السادس من أكتوبر 1973، وبدأ الهجوم المصري في الثانية ظهرًا، وكما ظهر في فيلم “Golda” الذي أنتجته هوليوود، كانت الحكومة الإسرائيلية مجتمعة، وفجأة انطلقت صفارات الإنذار تدوي في تل أبيب، حيث ظهرت جولدا مائير في الفيلم وهي تصرخ:”كيف يحدث ذلك؟ لقد أبلغنا صديقنا هنري كيسنجر أن المصريين لن يهاجموا!”
وطلبت من الوزراء أن يذهب كل منهم إلى وزارته لإدارة شؤون الحرب.
وهذه الأيام، ونحن نرى ما يحدث بين أمريكا وإيران، بعد أن تم وقف إطلاق النار وعمل الهدنة، فوجئنا بأن إيران أطلقت ضرباتها على دولة الإمارات، وبالذات في اتجاه ميناء الفجيرة التي يتم من خلالها تصدير النفط خارج مضيق هرمز بحوالي 1.2 مليون برميل يوميًا. وكانت الضربة تجاه هذا الميناء أحد أساليب تنفيذ نظرية “الطبق الساخن”.
وفي اليوم التالي قامت أمريكا بقصف الموانئ الإيرانية تحت مسمى أن الهدنة ما زالت سارية، وكانت أيضًا تتبع نفس الأسلوب تحت ستار “الطبق الساخن”، حتى لا تركن إيران أو تستغل الوقت للوصول إلى حل يطيل أمد الأزمة.
ثم جاءت إيران بالتعرض للمدمرات الأمريكية التي كانت تحاول المرور من مضيق هرمز، وكان من الممكن ألا تتعرض لهما وتترك لهما حرية العبور، ولكن إيران أرادت أيضًا أن تطبق نظرية “الطبق الساخن”، لكي تبعث برسالة للأمريكيين بأنها لن تتوقف عن القتال.
وهكذا، في ثلاثة أيام فقط، حدثت ثلاثة اشتباكات متتالية، متبعين نظرية “الطبق الساخن”. وهكذا جاءت نظرية “الطبق الساخن”، التي ظهرت في أوائل عام 1973، لكي تُنفذ مرة أخرى في عام 2026.




