بقلم: رنيم علاء نور الدين
بين جدران مستشفياتنا، يبحث المريض عن الطمأنينة، ويسلم جسده لمن يرتدون البالطو الأبيض ظناً أنهم ملائكة رحمة يُبلسمون الجراح. لكن حينما تتحول غرف الشفاء المغلقة إلى مسرح لنهش الأعراض، ندرك أن القناع الطبي قد يختبئ وراءه أحياناً وحش كاسر لا تمنعه ذمة، ولا تردعه حتى “دبلة الخطوبة”!
اليوم، أصدر المستشار محمد أسامة زبيب، وكيل النائب العام لنيابة أول الرمل بالإسكندرية، قراراً حاسماً بحبس ممرض على ذمة التحقيقات، لاتهامه بهتك عرض زميلته وخطيبته بالقوة، داخل أروقة أحد المستشفيات الخاصة بمنطقة جليم، في واقعة هزت الوسط الطبي السكندري وفتحت الباب للتساؤلات حول أمان الممرات الطبية ليلاً.
ليلة من ليالي الشفتات الليلية الساكنة. بمستشفى خاص شهير بمنطقة جليم شرقي الإسكندرية.
في هذا القسم، كان الممرض يشارك خطيبته (التي تعمل معه في نفس قطاع التمريض) ساعات العمل الطويلة. علاقة رسمية، زمالة مهنية، ومكان يفترض أنه محراب لإنقاذ الأرواح؛ كل هذه الروابط كانت كفيلة بأن تمنح الفتاة شعوراً تاماً بالأمان وهي تتواجد معه في الغرفة المخصصة لطاقم التمريض خلال ساعات “النبطشية” المتأخرة.
لكن المتهم اختار أن يخلع عباءة الآدمية، وينزع قدسية مهنته، بل وسحق عهد الخطوبة؛ ومستغلاً خلوّ الممر وهدوء المستشفى، تحول فجأة إلى ذئب باغت الفتاة وتعدى عليها بالقوة محاولاً هتك عرضها وسلبها إرادتها تحت تهديد القوة الجسدية.
لم تستسلم الفتاة، ولم يتملكها الرعب الذي أراده لها؛ بل قاومت بكل ما أوتيت من قوة وكرامة، ونجحت في الإفلات من قبضة يده والفرار راكضة في ممرات المستشفى وهي في حالة ذعر وصدمة لا يمكن لعقلها أن يستوعبها: هل هذا الشخص هو نفسه من ائتمنته على مستقبلها؟
لم تختر الفتاة “الطرمخة” أو الصمت خوفاً من كلام الناس، بل توجهت فوراً إلى عائلتها وأبلغتهم بتفاصيل الكابوس الليلي. وعلى الفور، تقدمت الأسرة ببلاغ رسمي إلى قسم شرطة أول الرمل، لتتحرك القوات الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية، ويُلقى القبض على المتهم ويُساق مكلبشاً إلى سراي النيابة العامة.
أمام وكيل النيابة، تهاوت كل مبررات المتهم، حيث عاينت النيابة الواقعة وأمرت بحبسه عاجلاً على ذمة التحقيقات، مع تكليف رجال المباحث بسرعة إجراء التحريات الدقيقة حول كواليس تلك الليلة، وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى للوقوف على كافة ملابسات الحادثة المخزية.
تأتي هذه القضية لتشعل من جديد الضوء الأحمر حول بيئة العمل الطبية ليلاً، وحق العاملات في هذا القطاع في بيئة آمنة تحميهن من ذئاب الممرات، حتى وإن كانوا يحملون صفة “الخطيب”.
سيبقى المتهم خلف القضبان يدفع ثمن اللحظة الحيوانية التي ظن فيها أن الغرفة المغلقة ستخفي جريمتُه، ولكن يبقى سؤال ملح يفرض نفسه على القطاع الطبي:
إذا كان “البالطو الأبيض” ودبلة الخطوبة وقوانين المكان لم تحمِ ممرضة من هتك عرضها داخل مقر عملها، فكيف نأمن على نسائنا وبناتنا داخل غرف المستشفيات الخاصة التي تُغلق أبوابها ليلاً تحت شعار “الرحمة والشفاء”؟
